الثلاثاء، 5 أغسطس 2008

الكاتب اليمني عبده جميل اللهبي : طريد وطن ...

محمد كليبي..
عبده جميل اللهبي , كاتب وقاص وصحافي مبدع .استطاع أن يدخل من الباب المحظور الدخول منه . ااستطاع بقلمه المتميز الولوج الى قلاع الرجعية السياسية والدينية على الساحة اليمنية . استطاع بكتاباته المتنوعة , بالمقالة , بالقصة القصيرة , بالأبحاث والدراسات النقدية , باللقاءات والحوارات الصحافية , أن يدق التابوهات العربية الثلاثة : الدين والسياسة والجنس . أن ينتهك المحرمات والمقدسات الاسطورية . تميزت كتاباته النقدية على وجه التحديد بالجرأة والمباشرة في نقد التابوهات السابقة .تميز قلمه بالدعوة الصريحة والواضحة والمباشرة أيضا الى العلمانية . الى علمانية الدولة اليمنية الحديثة , دولة ما بعد 1990 , دولة الوحدة .
تعرض في كتاباته المختلفة لنقد السلطة السياسية والسلطة الدينية على السواء دفاعا عن الحرية وحقوق الانسان المقموعة من قبل السلطتين الزمنية والالهية في اليمن . وكانت آخر تفنيدات الكاتب القوية تتعلق بمطالبة رجال الدين , وعلى رأسهم المدعو عبد المجيد الزنداني ( وهو بالمناسبة متهم بدعم الارهاب العالمي ومدرج اسمه على رأس قائمة الارهابيين الاميركية وتطالب الادارة الاميركية اليمن بتسليمه لها لمحاكمته ) عضو الهيئة العليا لحزب الصلاح السلاموي ورئيس جامعة الايمان السلفية , لرئيس الجمهورية في اجتماع رسمي ضمه بهم في اطار سعي الرئيس لحشد الدعم الشعبي لمواجهة المعارضة الزيدية المسلحة في السمال . فقد طلب رجال الدين من الرئيس انشاء ( هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) على غرار الهيئة المشؤمة في العربية السعودية المجاورة . ورغم الكتابات العديدة للكتاب وصحف المعارضة والصحف المستقلة التي تصدت لهذه القضية الخطيرة على مستقبل المجتمع اليمني , الا أن كتابات الزميل اللهبي تميزت بالجرأة والمباشرة والوضوح , مما دفع تلك القوى الرجعية الدينية والسياسية على السواء , تلك القوى المجبولة دوما بالقمع والاستبداد , الرافضة للفكر المختلف والرأي الالآخر المغاير , الى مضايقة الكاتب ومهاجمته وممارسة جميع أشكال الترهيب , بدءا بالاتصالات والرسائل الهاتفية الى الرسائل الالكترونية عبر الايميل الى ممارسة القرصنة الالكترونية بتشفير الايميل الخاص بالكاتب والعبث بمحتوياته حتى الوصول الى مطاردة الكاتب في شوارع صنعاء , بل وصل الامر بهم الى اطلاق النار عليه ومحاولة اغتياله لولا وقوف الحظ الى جانبه . أمام كل كل تلك الممارسات الارهابية لم يجد الكاتب بدا من الهروب بجلده من اليمن , ليصبح طريد الارهاب , طريد الوطن !!!؟؟؟
متى سيتوقف هؤلاء الهمجيون , أعداء الحرية , عن الاعتداء على كرامة وانسانية الانسان ؟ متى سيتوقف هؤلاء عن تشريد الأحرار وطردهم من أوطانهم ؟ متى سيعرف هؤلاء أن الانسان أقدس من مقدساتهم ؟

الثلاثاء، 13 مايو 2008

العقائد بين حرية الاختيار وقسر الإلزام ..




مصطفى حقي

مما لاشك فيه أن أية عقيدة دينية أو سياسية تبدأ بإغراءات دعائية تزين تلك العقيدة وتبدي حسناتها فقط فكل الدعاة يعتبرون عقيدتهم خارج الخطأ وانها كاملة متكاملة وعلى من يدخل في هذه الملحمة أن يؤمن بما جاء فيها وفق نصوص التأليف والإنزال وبحيثياتها أيضاً كما فسرها اللاحقون وقد تتعدى النصوص الأصلية ، وشكلية الولوج لا تعقيد فيها وتتم بسهولة ويسر ، ومنهم يكفيه أن يرفع يده أمام القادة ليعبر عن إيمانه بتلك العقيدة وانه سيخلص لها ويتحمل عقاب الخالق في الدينية منها إذا أخل بمعتقده وكذلك يقسم بالإله العظيم أمام القادة السياسين أنه سيحترم مبادئه السياسية والله على ما يقول شهيد .. ومنهم من يقسم بشرفه فقط .. وفي الإسلام كان تلو الشهادتين كافياً لدخول الإسلام واعتباره مسلماً مجر أدائه الشهادتين ... ولكن السؤال الذي حيّر الناس عبر القرون ولا زال .. هل دخول الحمام مثل خروجه في البداية فإن الدخول في حومة المعتقد يكون اختيارياً مع مزيد من الترغيب المادي والمعنوي في بداية نشوء ذلك المعتقد ولكنه وبعد أن يترسخ ويملك زمام الأمور فالظروف الحياتية تلزم الكثير أن ينخرطوا فيه لمواجهة الواقع المفروض عليهم وإلا أضحوا خارج السرب ومنبوذين ومحاربين في واجهة مستقبل مظلم ويجري تصنيفهم في الفئات الدنيا من المجتمع وقد أورد الكاتب محمود كرم في مقاله (الموروث الديني وثقافة الخوف ) المنشور في الحوار 572007 وقد تحدث عن ثلاث مخاوف الأول خوف الفرد الدائم من النبذ ، نبذ البيئة العقائدية المجتمعية المسلمة وثقافتها الجماعية الدينية له ، ويتخذ النبذ الديني للفرد الذي يرفض التسليم والخضوع لأدبيات الموروث الديني طرقاً عدة ووسائل مختلفة ، من التجريح الشخصي له ، إلى الطعن في أخلاقه وشرفه ، وإلى عزله اجتماعياً ، علاوةً على حفلات التشنيع الإعلامية عليه تلك التي يتفنن في افتعالها والترويج لها التيار الديني بحق كل مَن لا يجد شيئاً يجبره على الرضوخ لسلطة موروثهم الديني ، ويصل النبذ الديني في بعض الأحيان إلى مستوى التصفية الجسدية والتهديد بحياته ، ولذلك يتردد الكثيرون من الدخول في غمرة الصراع مع الموروث الديني خوفاً على أنفسهم وشخصهم ومكانتهم الاجتماعية من النبذ الاجتماعي الديني المتوحش لهم ، ويحصل والحالة هذه أن يتخلى البعض عن ممارسة حقه الإنساني في النقد وحقه أيضاً في تجاوز ما لا يراه مناسباً له ، في مقابل القبول بثقافة الموروث السائدة ومسايرتها مسلكياً وثقافياً وشكلياً وشعورياً وعرفياً ،وأما ثاني تلك المخاوف ، فهو خوف الفرد المسلم على هويته الدينية من الضياع والطمس إذا ما فكر في الخروج من هيمنة موروثه الديني ، لأنه يعتقد مؤمناً بأن موروثه الديني يعكس كينونته الذاتية والوجودية وهويته الشخصية ، ومن غير هذه الهوية يشعر بالفقد والضياع ، لأنه لا يملك سوى إرث واحد يدافع عنه ويتمترس خلفه ويتخندق فيه وهو يمثل كل رصيده في ماضيه وحاضره ومستقبله ، فهويته الدينية هي خط الدفاع الأول والأخير في تراسل تاريخه المديد، وثالث تلك المخاوف ، خوف الفرد المسلم من عقاب الآخرة إذا ما حاول تجاوز موروثه الديني ، فثمة اعتقاد ديني جازم لديه لا يتسرب الشك إليه في أن معارضته ونقده لموروثه الديني تعني مخالفته لأوامر خالقه وسيعرضه ذلك للعقاب والعذاب الأخروي ، في حين أن خالقه يحضه على استخدام العقل في التفكير والتفكر والتبصر والتأمل ..(تم) وبرغم مرور 13 عاماً على الدعوة في مكة كانت رسالة النبي محمد مكرسة لدعوة القوم ونصحهم وتحذيرهم من يوم الحساب والهداية إلى الصراط المستقيم ولم تفرض سوى المباديء الخمسة التالية 1- الإيمان بالله ورسله 2- الصلاة3- الزكاة ، الذي كان على هيئة عطاء تطوعي ..4- الصيام ، الذي كان في ذلك الحين على صور صيام اليهود 5- الحج ، بمعنى زيارة مزار العرب القومي وقد لاحظ السيوطي أنه لم تكن ثمة عقوبات إسلامية شرعية في المرحلة المكية ..لأنه لم تكن هناك بعد قوانين قد سنت .. وآيات كلها رحمة ..( الموعظة الحسنة) .. (وجادلهم بالتي هي أحسن) .. (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) .. والجزاء كان آخروياً جنة رائعة وطعام وخمر وحواري بتول أبداً وغلمان ..؟ ومع ذلك لم يتجاوز عدد المسلمين المئة .. ولكن وبعد الهجرة وبرغم الآيات المشددة ( كتب عليكم القتال) (قاتلوا الذين لايؤمنون ) ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه ) ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق ).. جاء الأجر الدنيوي بحصة المقاتل المسلم (بالغزوات) من مال وإبل وشياة ونساء ..وهذا الأخير هو من أهم الأشياء التي تهم العربي .. وكان العربي المسلم يدخل المعركة وهو قد أمّن على آخرته ان استشهد بالحور البتول ومشتقاته وحصته من أموال الغزو إن بقي حياً .. فلم يبق شيء يخسره وكان وارد الغزو الدنيوي هو الأهم لأنه ليس غيبي بل واقعي وملموس وبذلك تكاثر عدد المسلمين وقويت شوكتهم .. وأيضاً مقابل هذا العطاء الأخروي والدنيوي بدأ ترسيخ الدولة كمؤسسة وصار الزكاء فرضاً إلزامياً وكذلك القتال وتحول الإسلام شيئاً فشيئاً من رسالة روحية صرفة إلى منظمة مقاتلة وعقابية يعتمد تقدمها على الغنائم التي تأتي بها الغزوات وعلى الدخل الذي تغله الزكاة المفروضة والشيء المهم الذي كان اختيارياً في البداية وبشرت به في السنة الأولى من الهجرة ب..( لاإكراه في الدين ) انقلب إلى إكراه وإجبار وإلزام فكان الغزاة يضعون السيف على رقبة المغزو وخياره أما الإسلام أو الجزية أو القتل .. وحذفت عملياً ( لا) من السورة وليستمر الإكراه ومن يفكر في الانسحاب سوف يرمى بتهمة الارتداد ويكفّر أو يبقى أسيراً في سجن الإلزام ولا خيار ..؟

الاقليه دائما طائفيه ..!

ابراهيم سليمان
ibraman119@hotmail.com

كثيرين من الانسانيين المتحضرين المتمدنيين .. ينفرون من نغمة الطائفيه المرتفعه هذه الايام في المنطقة .. باعتبارها رده حضاريه / وكأننا هولنديين او كنديين / ..ولسنا نعيش في الشرق الاوسط منبع الاساطير والبئرة الوحيده الباقيه في العالم مرتعا للجهل والتعصب وعشق الماضي .. طبعا كل ما يقال عن كراهية الطائفية هومجرد ادعاءات واكاذيب لان المغلوب طائفي حتى النخاع .. الشيعة و هم ابرز المغلوبين تاريخيا لديهم الارضية الطائفيه بمسلسل الشعور بالظلم والتحريض على عدم النسيان وطلب الانتقام فعلا او خيالا من جماهير السنه .. بما تملكه الطائفه الشيعيه من تراتبيه قيادتها الدينيه ذو القدرة على تحريك المجتمع .. ف بكلمات من رجل دين يفكر بعقلية العصور الوسطى يستطيع ما لا تستطيعه الدوله ..! تخيلوا رجل الدين بمراجعه وكتبه التي يقلبها ليل نهار مراجعه التي كتبها مؤلفين مطاردين و هاربين في تلك العهود المظلمه المعزوله المتخلفه .. اي فتوى ستخرج من اي رجل دين فما بالك بنوعيه مريضه من رجال الدين الذين لايكفون عن البكاء والحلم بالانتقام .. اي فتاوي و سريه ستخرج من معبد مظلم جدرانه تذكر بالثأر .. اي فتوى ستحرك الجماهير .. سوى فتاوي السلاح لتقتل وتدمر .. الاقليه بنيويا طائفيه .. الاقليه دائما طائفيه .. كما الاقلية دائما طائفيه .. الشيعه لا يتجاوزون 10 % من المسلمين في العالم ويملؤهم شعور التهميش الطويل وقصص واساطير المظالم على سادة المذهب وكهنته .. وادبيات هائلة من التحريض على الثأر تبداء بثارات الحسين وتنتهي عند اسطورة المخلص المهدي العاشق للدم الذي سيستبيح العالم انتقاما لأهله فيقتل كل الطوائف والاديان المختلفه ..اي بعبارة اخرى كل البشريه عدا مئة مليون شيعي الذين سيصبحون هم كل سكان العالم .. تخيلوا ميليشيا اوجيش بهذه العقيدة الدينيه القتاليه ..وتخيلوا لو انه يمتلك سلاح نووي .. ماذا سيحدث ..قبل ايام صرح رئيس الدوله الايرانيه وليسرجل دين متعصب او كاتب صحفي مهووس باساطير دبينيه .. بل رئيس الدوله الذي يقول .. "الامام (المهدي) يدير العالم ونحن نرى يده المدبرة في شؤون البلاد كافة .. ويضيف : حان الوقت لكي ننهض بواجباتنا العالمية .. ايران ستكون محور قيادة العالم إن شاء الله". ..!!شعب امي متعصب يقوده مثل هذا الرجل ويحف به رجال دين ومراجع لايكفون عن البكاء والتحريض على الانتقام .. ماذا تتوقعون ان يحدث لوامتلكوا سلاح نووي ..؟؟!!الطائفيه لمواجهة الطائفيه هي خيار المنطقه ..اي حتى فناء الملايين ومن ثم الخروج من اسر الاساطير ورجال الدين ولكن بع ددفع الثمن الباهض ليتحول الكل الى كراهية الدين .. وعشق الحياة .!

الاثنين، 21 أبريل 2008

المفكر الأمريكي هنتجتون وصراع الحضارات..

عبده جميل اللهبي

استطاعت أفكار المفكر الأمريكي صامويل هنتجتون،إثارة الكثير مـن الجدل في السنوات الأخيرة ،حين وضع تسلسلاً لمراحل الصراع فـي التاريخ، الذي انتهى فيه إلى أنه بنهاية الحرب الباردة ، سوف تبدأ مرحلة جديدة من الصراع بين النظام العالمي الجديد مع الحضارات الأخـرى.وأخطر هذا الصراع مع الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية، لأنهما حضارتان تستعصيان على النموذج الغربي..أي أن المكونات الثقافية والقيم الأساسية لهاتين الحضارتين سوف تظل بعيدة عن الالتئام والذوبان في الخصائص والسمات التي تميـــــز الغرب..فكان طبيعياً أن يتنبأ هنتجتون بالصراع مع الثقافة الإسلامية ومثيلتها الصينية.. والذي يفسر الى حد كبير فشل قيام الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني في العالم العربي والإسلامي..ومن العجيب في أفكار هنتجتون رغم الانتقادات التي واجهته في العالم الإسلامي ، أنها تلتقي بدرجة أو بأخرى مع أنماط وألوان من المواقف التي تتخذها بعض النخب السياسية في العالم العربي وأسيا وأفريقيا، التي ترفض قيم الغرب وترى في الترويج لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان محاولة لإعادة الهيمنة الغربية وفرض القيم والسياسات الغربية التي لاتتفق وتقاليد مجتمعاتنا الإسلامية..بل أن البعض يرى في هذه المبادئ والتأكيد عليها نوعاً من المؤامرة التي تستهدف كياننا وديننا محدثتا البلبلة في مجتمعات لها تقاليدها العريقة ..فيما يذهب البعض إلى اتهام هذه الأفكار بأنها نوع من الغزو الثقافي الذي يمهد لغزو عسكري وتدخل أجنبي لامحالة .. فإذا تأملنا في هذه الحجج فسنكتشف أنها نفس الحجج التي تستخدمها الجماعات الإسلامية المتطرفة التي لجأت إلى استخدام العنف والإرهاب باسم الإسلام بدعوى إنقاذ المجتمع من جحافل الكفر والانحراف بالمسلمين إلى مهاوي الانحلال والتفسخ..رغم هذا كله فإن هذه الاراء والأفكار كان لها سببها وواقعا التاريخي والزمني الذي تنطلق من خلاله.. فالفترة الاستعمارية التي عاشها العرب بأحضان الاستعمار كانت كافية لإنتاج مثل هذه الحجج الواهية واستمراؤها بين الشعوب..اليوم أصبح الوضع يختلف عما كان عليه في السابق وأصبح الغرب ينظر إلى هذه البقعة من العالم بعين الرحمة والشفقة في محاولة منه لإخراجها من أزماتها وتخلفها الذي جعلها بعيدة عن العالم غريبة عن العصر ومتنفساته العملاقة.. الفجوة التي عاشها العالم العربي بعد هيمنة الاستعمار كانت السبب في نقله إلى أحضان أنظمة دكتاتورية إقطاعية لاتراعي حقوق الإنسان ومتطلبات الشعوب..أحلام التحديث والنهوض التي كانت تراود العرب في حال خروج الاستعمار الأجنبي سرعان ماتبخرت بعد الاستقلال بفترة قصيرة من الزمن..وتبدلت إلى عقد نقص كبيرة متنامية ثقافياً وردات فعل عكسية بعد العجز الكامل من تطوير وتنمية العالم العربي وإخراجه من أزماته وتخلفه العريق..وواقع الأمر أن دول العالم الثالث والدول العربية والإسلامية حين ترفع شعار تمايز ثقافتها وخصوصية مجتمعاتها ومغايرة معتقداتها على ماعند الغرب فهذا لايعني أن الغرب يطالبها بالانسلاخ عن معتقداتها وميراثها..فالحياة المدنية والتطور الحضاري ومسايرة الغرب في تطوره العلمي لاتعني انسلاخ الإنسان المسلم أو العربي أو الأفريقي عن معتقداته ومذاهبه. ولاتعني أيضا انغلاق الثقافة الإسلامية وانعزالها عن مؤثرات العصر..وعن مبادئ الديمقراطية والتطور التي حكمت تقدم المجتمعات الأخرى..فقوانين تطور المجتمعات تسري عليهم كما تسري علينا، وليست شعوبنا وثقافاتنا دون أهل الأرض جميعاً هي التي يتوالد فيها الإرهاب والأنظمة المستبدة وتكرس كل أساليب القمع وتجهض الحرية والديمقراطية وتعجز عن الخروج من أسر التخلف وتظل في إحباطها المتلاطم الأمواج في عالم يغتصب الحقوق ويهرول نحو القمة..فهناك دعوات للتعايش مع الأخر مهما كانت معتقداته أو مذاهبه أصحابها رجال دين ومفكرين إسلاميين وعلمانيين عرب ، ودعوات إلى الحوار الذي سيعطي هذه الشعوب حريتها واستقلالها ويؤمن لها مصالحها مع العالم..فالمشكلة اليوم ليست في قول الناس "ربنا الله" بل هي في المفاهيم الدينية والمعتقدات المغلوطة من قبل البعض المتطرف..اليوم لازالت أمكانية الحوار مع الغرب قائمة ومعترف بها ولن يظل التناقض الداخلي الذي يعيشه العالم الإسلامي صامدا طويلاً أمام المتغيرات الحياتية والاقتصادية التي تهز العالم وتغيره تغييرا كلياً..فإذا ظل العالم العربي على تخلفه ، تحتضنه سياسات استبدادية وقوى قمعية، ورجال دين كهنوتي يفرضون سطوة السيف ورفض الآخر .. هنا حتماً سندخل مرحلة جديدة من الصراع العالمي بين شعوب تناضل من أجل الحرية والتمدن وأخرى تناضل من أجل التخلف والعيش في قماقم الماضي باجترار عمائم السلف وسيوفهم وسراويلهم أيضاً...

الثلاثاء، 18 مارس 2008

يفخخ المجتمع.. ثم يتبرأ من تبعات الانفجار..


فاخر السلطان..

رموز التيار الذي يردّد ليلا ونهارا بأنه يتبنى ما يسمى بـ"الإسلام الوسطي"، من دعاة وزعامات وشخصيات كويتية في الجمعيات والحركات والتنظيمات الإسلامية في الكويت، يؤكدون باستمرار على نهج "الوسطية" الدينية وعلى أطروحات "أئمة ورجال الدين الوسط" وعلى "المنهج الديني الوسطي"، باعتبار أن ذلك كفيلا بتوضيح صورة "الإسلام الأصيل" و"الصراط المستقيم"، الذي يساهم، برأيهم، في وضع حد "شرعي" للعنف والإرهاب. هذه المزاعم من جانبهم تحمل ابتعادا شاسعا عن حقائق الواقع، لكونها تبرؤهم من المشاركة في نشر الكراهية والتمايز في المجتمع، ومن مسؤولية دورهم في انتشار الإرهاب بشكل عام.هذه المزاعم، التي تواصل زعامات هذا التيار ترويجها، سرا وجهرا، وفي مناسبات رسمية وغير رسمية، ليست إلا صورة من صور الإلغاء، لأن أطروحاتهم الفكرية تحث على أن الآخر غير المسلم ليس إلا كافرا، وأن المسلمين من غير أتباع نهج "السنة والجماعة" أو نهج "الولاية" إمّا مشركون وإمّا مرتدّون وإما نواصب وإما فاسدون، وأن مذاهب إسلامية مختلفة، كالصوفية والإسماعيلية وغيرها، والآراء المعارضة للإمامة والولاية، وبالذات الولاية السياسية كولاية الفقيه المطلقة، ليست سوى مذاهب بدعة وآراء ضلال، ناهيك عن موقفهم من الآخر غير الديني، كالعلماني والليبرالي. وهذا الإرهاب الفكري الذي تمارسه هذه الزعامات من شأنه أن يمهد للإرهاب على أرض الواقع. لكن حينما يتم الإعلان عن أي عملية إرهابية، فإنها أول من تتبرأ منه، من دون تبرئة ساحتها الفكرية التي تعتبر أرضية خصبة لتلك العملية. فهي، على سبيل المثال وعيد الأم على الأبواب، تدعو باستمرار إلى رفض المشاركة في أعياد "الكفار" من اليهود والمسيحيين الذين "يذبحون" المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان وفي غيرها، أي هي تطالب بإلغاء هؤلاء من الحياة رغم احتياجها لهم في مختلف مجالات الحياة. فهي تحث على الانتقام منهم لأنهم شاركوا في "ذبح" المسلمين، رغم أنهم أنقذوا المسلمين وساندوهم في مواقع مثل البوسنة و كوسوفو. لذا قاعدتهم "الكفرية الإلغائية" ليست سوى قاعدة إرهابية صريحة تمهد الطريق لممارسي الإرهاب أن يتفننوا في عملياتهم باستنادها إلى فكر "الإسلام الوسطي".مواقع الانترنت والكتيبات والكاسيتات، المنتشرة كانتشار الأوكسجين في الهواء، مليئة بالشواهد التي تثبت بأن عملية إرهابية ما قد يتم تنفيذها انطلاقا من فكر وفتوى الشيخ الفلاني "الوسطي" والعلامة العلاني "المعتدل". والمشكلة لا تكمن فقط في من يرهب الناس ويذبح المسالمين والمدنيين، بل تكمن في فكر يساهم أيضا في إلغاء ثلث أو نصف أو ثلاثة أرباع أفراد المجتمع، ويعتبرهم إما كفارا ومرتدين أو أناسا من الدرجة الثانية والثالثة وحتى العاشرة. فهذا "الوسطي" الذي ينشر فكره الإرهابي إنما يخفي بارودا من التعاليم ضد الآخر المسلم وغير المسلم، وضد المرأة، وضد وضد وضد... ثم بقدرة قادر يتبرأ من تبعات انفجار هذا البارود وممن يمارسه في الواقع. لذلك، يحتاج واقعنا الراهن إلى هزة فكرية عنيفة.. هزة تزلزل الفكر الإرهابي المعاش تحت يافطة "الإسلام الوسطي". إن أكثر ما نحتاج إليه هو رؤى تبطل شعار "امتلاك الحقيقة" الإرهابي الذي يرفعه الإسلام "الوسطي"، وهو شعار يناهض في فهمه أي معنى للوسطية والإعتدال.. نحتاج إلى رؤى تعيد صياغة مفاهيمنا الحياتية لكي تتماشى مع قيم الحياة الحديثة، وفي مقدمتها مفهوم المساواة ومفهوم التعددية ومفهوم احترام حقوق الإنسان، لا رؤى تعيش في ظل تناقضات بين الفهم الشرعي والفهم الدستوري، ثم تستغل "وسيلة" الديموقراطية لقبر الدستور بمواده وروحه، وإبراز الفكر الإرهابي الموصوف بـ"الشرع" من خلال نصوص فقهية عفا عليها الزمن. ويعتبر موقف الداعية يوسف القرضاوي، وهو أحد رموز "الإسلام الوسطي"، مثالا بارزا لمدى مناهضة دعواته لمفهوم حقوق الإنسان. كذلك هناك دعوات في إيران في الوقت الراهن من قبل العديد من آيات الله المراجع إلى اعتبار بعض رؤى المفكر عبدالكريم سروش بأنها قريبة مما قاله سلمان رشدي، وأنه يجب الحكم بارتداده. والقرضاوي يطالب في مسألة "الارتداد"، التي هي متعلقة بحق الإنسان في اختيار نوع الاعتقاد ونوع الإيمان، بضرورة تطبيق عقوبة "القتل" على المرتد أو من يعتبر مرتدا، بالرغم من أن حكم المرتد يتنافى مع أبسط قواعد الحريات التي يكفلها المفهوم الحديث لحقوق الإنسان. فهو يقول في موقع إسلام أون لاين: "ومن أحكام الدنيا أن المرتد لا يستحق معونة المجتمع الإسلامي ونصرته بوجه من الوجوه، ولا يجوز أن تقوم حياة زوجية بين مسلم ومرتدة، أو بين مرتد ومسلمة، لا ابتداء و لا بقاء، فمن تزوج مرتدة فنكاحه باطل، وإذا ارتدت بعد الزواج فرّق بينهما حتما، وهذا حكم متفق عليه بين الفقهاء، سواء من قال منهم بقتل المرتد رجلا كان أو امرأة وهم الجمهور، أم من جعل عقوبة المرأة المرتدة الحبس لا القتل، وهم الحنفية". ومن يتابع الموقف الإسلامي من الإرهاب سوف يلحظ أن رجال الدين في مدرسة "الإسلام الوسطي" متفقون على شرعية ممارسة العمليات الإرهابية في مناطق معينة ومختلفون حولها في مناطق أخرى. فهناك اتفاق على "شرعية" العمليات الإرهابية في إسرائيل، كالاتفاق على شرعية عملية قتل طلاب المدرسة الدينية اليهودية في القدس التي وصفها المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله بأنها "عملية بطولية"، لكن هناك اختلاف بشأنها في العراق. إن تلك الإزدواجية تحمّلنا مسؤولية العمل على تغيير الفكر الحاث على إرهاب منطقة واستنكار الإرهاب في أخرى، مستندا إلى قاعدة عنصرية تحث على إجازة ترهيب المشركين والمرتدين وغير المسلمين الكفار.فالعديد من رجال الدين وحركات الإسلام السياسي "الوسطي" في الكويت وفي غيرها باركوا الإرهاب في العراق وفي إسرائيل وأوروبا وأمريكا، بالرغم من أن نفس الفكر والعمليات والمخططات الإرهابية أصابت الكويت أيضا. فكيف يمكن أن نشجب ونستنكر ترويع الآمنين والمدنيين في الكويت ونعتبره من الذنوب العظيمة، ولا نستنكر ترويع الآمنين والمدنيين في مناطق غيرها؟ إنه الخطاب الديني الصادر عن "الإسلام الوسطي" وليس غيره، المسؤول عن هذه الإزداوجية وهذا والتخبط، الخطاب الذي لا يعتبر الإنسان في حد ذاته هدفا في الحياة، إنما يعتبره "وسيلة" لتنفيذ ما يريده الفهم "الوسطي" المقدس. لذا بات قتل الإنسان في سبيل تحقيق هذا الفهم مطلبا إرهابيا ملحا وسهل التحقيق.لا يمكن اجتثاث الإرهاب من دون اجتثاث الفكر المستند إليه، سواء دعا هذا الفكر للإرهاب في الكويت والسعودية والعراق أو دعا إليه في إسرائيل أو أمريكا. مارسه الزرقاوي وبن لادن أو مارسه عبدالعزيز الرنتيسي وأحمد ياسين أو مارسه عماد غنية. فتعمد استهداف الآمنين والمدنيين وترويعهم لا يمكن إلا أن يكون إرهابا أينما حصل وحيثما وجد. فنحن أحوج ما نحتاج إليه هو وقف إنتاج الفكر الإرهابي وتغيير الرؤى الحاثة على أن "الله حرم الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدا لهم، وأن المشرك حلال الدم والمال وأنه خالد في نار جهنم، ومن لم يكفّر المشركين، ومن يشك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فقد كفر". فهذا الفكر الذي تعتد به العديد من حركات وزعامات ورموز "الإسلام الوسطي" وتؤصل رأيها "الشرعي" من خلاله، هو الذي يحتاج إلى تغيير. فالزعامات التي تتبنى "الإسلام الوسطي" ليست سوى دعاة فكر عنيف بتبنيها تهم التكفير والتشريك والتضليل والتبديع. وإذا ما ألقينا نظرة بسيطة إلى الكتيبات الدينية الصادرة عن شخصيات وجمعيات "الإسلام الوسطي" المنتشرة في مجتمعنا ومجتمعات عديدة أخرى، لشاهدنا إلى أي حد تنظّر للعنف والإلغاء بحجة المحافظة على بيضة الدين والشريعة والدفاع عن العادات والتقاليد المحافظة. فمضحك في حقيقة الأمر أن ينشر هؤلاء فكرهم العنيف ثم يتبرأون من أي ممارس له. فالعنف لا يكمن فقط في حمل السلاح، بالرغم من أن تنظيرات وتشريعات دعاة "الإسلام الوسطي" شجّعت عنف السلاح وفعّلته في الواقع. فالعنف في أصله يكمن في إلغاء حياة ذلك المختلف، سواء بالسلاح أو بغيره. ولنتمعن في هذه الحكاية من موقع "إسلامي وسطي". ففي موقع "الإسلام اليوم" يوجد سؤال تحت قسم الفتاوى يتحدث عن زواج شيعي من امرأة سنّية والزوجة حامل، ويبدو أن والديها قد غيّرا رأيهما بشأن الزواج، وكان رد الشيخ (...) رئيس كتابة العدل بأن "من أعظم الفساد تزويج المؤمنة لكافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، أو تزويجها لمبتدع في الدين". ويضيف "وإذا كان المبتدع عنده بدعة مكفًّرة فكذلك لا يجوز البقاء معه، وأصل النكاح فاسد، يفرق بينهما، ولو كانت المرأة حاملاً". فهل تدل هذه الحكاية على "الوسطية" أم تدل على شيء غير الإرهاب؟يرفض هذا الشيخ، في فتاوى على نفس الموقع، أن تطلب زوجة الطلاق من زوجها الذي هجرها وخانها مع أخرى بحجة أن الطلاق من أبغض الحلال، بل يطالب الزوجة بحقوقها تجاه زوجها وكأنها مذنبة مسبقاً. هذا الشيخ أيضاً لا يرى غضاضة في تزويج المعاق والمجنون لفتاة عاقلة حتى مع احتمال أن ينتج عن ذلك وجود أطفال معاقين.إن من الضرورة بمكان مواجهة الشخصيات السياسية والدينية التي ترفع شعار "الإسلام الوسطي"، وفضح أفكارها العنيفة المتطرفة التي تدافع عن المتطرفين في كل مناسبة. فهم، سنة وشيعة، يتفقون في الدفاع عما يسمى بـ"الجهاد" في العراق أو في أفغانستان أو في فلسطين، ويشتركون في أن أمريكا هي "العدو الأكبر للإسلام والمسلمين" وأنه لابد من الترديد باستمرار "الموت لأمريكا"..

الاثنين، 17 مارس 2008

كتاب يدعو إلى التطرف !


د/ عادل الشجاع
السبت 19 مايو 2007
لم تشغل جامعة صنعاء بفلسفة التعليم، لذلك فهي لاتدرك كيف تعلم ؟ وماذا تعلم ؟ ونتيجة لغياب هذه الفلسفة انتشر التيار الديني السلفي سواء على مستوى أعضاء هيئة التدريس أم على مستوى الطلاب. هذا التيار لا يضع حدوداً لسلوكياته ولايعترف بمشروعية أو شرعية الاختلاف وهو بذلك يعرض الجامعة إلى مأزق خطير.لقد أصبح لهذا التيار كلمة نافذة وهو الذي يضع المناهج التي تدعو إلى أسلمة العلوم والتركيز على خصوصية الثقافة والأصالة في مقابل المعاصرة.فهذا كتاب الثقافة الإسلامية الذي يدّرس لكل طلاب الجامعات اليمنية يعرف العلمانية ويختزلها إلى «اللادينية» أو «الدنيوية» والكتاب يدعو إلى تكفير المجتمع الذي تحكمه قوانين الدولة المدنية.يقول المؤلف: «إذا وجدنا مجتمعاً آخر يختلف في ظروفه عن المجتمع الذي تحدثت عنه «الغرب» ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة فماذا تحكم عليه ؟! وكيف يكون الحكم - أيضاً - اذا كان هذا المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح فقط نثبت السؤال ونترك - ولانقول لكل مسلم - بل لكل عاقل الإجابة عليه ».إنه يطلب ممن يقرأ هذه العبارة المختزلة ان يكفر المجتمع أو من يحاول تعريف العلمانية التعريف الصحيح.إن مؤلف كتاب الثقافة الإسلامية يضلل الطلاب ويتدخل في حريتهم وحقهم في الحصول على التعليم السليم، وحقهم في تكوين استنتاجاتهم بناءً على دراساتهم وحقهم في الاستماع والتعبير عن آرائهم، وحقهم في أن يكون لهم رأي في تقرير ما يدرسونه.إن هذه اللغة نجدها على منابر المساجد وهاهي تعيش اليوم داخل الجامعة وتوطن فيها.إن كتاب الثقافة الإسلامية يجسد الفكر اللا علمي والخرافي والأسطوري والمتزمت الذي يعيش تطور العلم وتطور التفكير العلمي والعقلاني.إن مؤلف الكتاب يعتبر العلم الحديث علماً علمانياً يقول: نحيت الشريعة عن الحكم، ولم يبق إلا بعض التصورات الخاطئة، لأن الجاهلية الأوروبية هي التي كانت تتولى قيادة الفكر البشري وتوجيه الحضارات الإنسانية، ونتيجة لهذا الوضع تسربت العلمانية إلى العالم الإسلامي وانتقضت تلك العروة الوثقى.ويضيف: ومن هنا أحس المجتمع الإسلامي الشرقي بالانبهار القاتل، واستشعر النقص المرير، ولم يتردد الغربيون الكفرة الهاربون من دينهم المنحرف أن يقولوا للمسلمين إن سبب تخلفكم هو الإسلام وهو الدين.وهو يدعو إلى الاستعلاء والثقة بأن المستقبل لدين الإسلام ولهذه الأمة، وتحرير العقل من ثقافة الغرب المادية والولوع بها، واليقين أن ذلك طريق النهضة الإسلامية التي لابد من الإيمان بها، وأنها من مقتضيات الولاء لهذا الدين والبراء من خصومه إنها دعوة صريحة لاستخدام العنف على قاعدة الولاء والبراء أو تقسيم العالم إلى فسطاطين على حد تعبير أسامة بن لادن.الأمر مطروح أمام الأخ رئىس الجامعة لإنقاذ الأجيال من الأفكار المتطرفة المعادية للآخر بوصفه صاحب حضارة مادية.وأنا على يقين أن مقبولي الأهدل لا يعي بأن الكهرباء التي تنير له دياجير الظلام وتجعله يستخدم الميكرفون أثناء تضليله للطلاب وركوبه السيارة التي تنقله واستخدام الحبة «الزرقاء» لتعينه على قضاء حاجته، كل ذلك إنما هو جزء من هذه الحضارة المادية.إن اليمن عضو في الأمم المتحدة وهي جزء من النظام العالمي وتلتزم بكل القوانين الدولية، فكيف نعتبر ذلك خروجاً على الاسلام؟!.إن كتاب الثقافة الإسلامية وصاحبه لا علاقة لهما بعصر العلم، فصاحب الكتاب مضاد للعلم والعقل.إننا بحاجة إلى ما مرت به أوروبا حين تزامن تطور العقل والفكر مع التطور العلمي والحضاري.إن مقبولي الأهدل أساء إلى العقل وإلى العلم وإلى الحرية الأكاديمية حين حاول احتكار الحقيقة والترويج لهذا الاحتكار على المستوى الأيديولوجي، فهو يعتقد أن ما يؤمن به هو الحقيقة، ومن يختلف معه هو على باطل.ويتسم هذا التفكير بالجمود والشمولية، فهو لا يدرك المتغيرات ولا التحولات، فهو تفكير إقصائي يرفض الآخر، بل ينفيه، فهو يسعى إلى العودة بالأمور إلى الوراء ومحاربة كل ما هو جديد.إننا أمام صراع ما بين العقل والنقل، أي ما بين طريقة تفكير تحتكم إلى العقل ونسعى للتجاوب مع المتغيرات والمؤثرات الخارجية بطريقة عقلانية، وبين طريقة تفكير سلفية تنفّر من التجديد، ولا تعرف التفاعل مع الآخر وترى في الماضي الملاذ الآمن من التغييرات الحديثة.وانظروا معي أخيراً كيف يعرف العولمة اصطلاحاً وفي الأدبيات الإسلامية اصطلاحاً: هي زيادة درجة الارتباط المتبادل بين المجتمعات الإنسانية، من خلال عملية انتقال السلع، ورؤوس الأموال، وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات.أما في الأدبيات الإسلامية فالعولمة هي: مرحلة من مراحل الصراع الحضاري يسعى فيها الغرب لسيطرة نموذجه عالمياً بالاعتماد على التفوق المادي لتحقيق مكاسب أكبر في مختلف مجالات الحياة البشرية.إنه يفسر العولمة بطريقة لا صلة لها بالواقع والإسلام ؟؟؟؟؟ معنى في تفسيرها.

السبت، 15 مارس 2008

حجاب المرأة بين التقاليد الاجتماعية، والبيئة، والموروث الديني......


حجاب المرأة بين التقاليد الاجتماعية، والبيئة، والموروث الديني......
محمد الحنفي sihanafi@gmail.com

الحوار المتمدن
إلى:• الحوار المتمدن في جرأة طرحه للمواضيع الشائكة، والساخنة، التي تقف وراء حركة الفكر التي لا تنتهي.• كل امرأة ناضلت من أجل إعادة النظر في القيم التي تكرس دونيتها.• من أجل امرأة بمكانة رفيعة، وبقيم متطورة.• من أجل كافة الحقوق الإنسانية لكافة النساء.الظروف الاجتماعية المؤدية إلى فرض حجاب المرأة "حجاب الرأس" خصوصا:.....58) استمرار ارتفاع نسبة الأمية في معظم البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، نظرا للسياسة التعليمية النخبوية المتبعة في كل بلد من البلاد العربية وفي باقي بلدان المسلمين، وبحكم طبيعة الاختيارات الرأسمالية التبعية، ونظرا لطبيعة البرامج الهادفة إلى إعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية / الاجتماعية المتناسبة مع طبيعة الأنظمة التبعية، وبسبب العمل الدءوب من أجل خوصصة قطاع التعليم. وهو ما ينعكس سلبا على تعميم التعليم، وجودته. الأمر الذي يساهم بشكل كبير في استمرار الأمية الأبجدية في صفوف الشعوب في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، والتي تستهدف الفئات المقهورة بالخصوص، حتى تحرم من القدرة على استيعاب ما يجرى على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وحتى يصير الأميون مجرد رعايا، تفعل بهم الأنظمة التابعة ما تشاء، وتقرر في مصيرهم كما تشاء. والمجتمعات في البلدان العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، ونظرا لسيادة الإسلام الشعبي في صفوفها، تكون أكثر استجابة للخطابات المؤدلجة للدين الإسلامي، بسبب استمرار ارتفاع الأمية في صفوفها، لعدم قدرتها على استيعاب طبيعة الدين الإسلامي من جهة، ولغياب وعيها بطبيعة الخطابات الأيديولوجية، ولعدم قدرتها على التمييز بين حقيقة الدين الإسلامي، وحقيقة ادلجة الدين الإسلامي. ولذلك نجد أن هذه الشعوب تنعدم بخطاب الحجاب، وبخطاب كون المرأة عورة، وبخطاب التطابق بين الدين الإسلامي، وبين أدلجة الدين الإسلامي، مما يؤدي بالضرورة إلى اعتبار أشكال لباس المرأة التي يسمونها حجابا شيئا ملزما للمرأة، باعتباره تعبيرا دينيا من جهة، وتقليدا اجتماعيا من جهة ثانية، فيتكرس بذلك تخلف نصف المجتمع، الذي يجر النصف الآخر الى نفس التخلف. وهو وضع لا تستفيد منه إلا الطبقات المستفيدة من الاستغلال، وفي مقدمتها الطبقات الحاكمة، وأنظمتها التابعة، والنظام الرأسمالي العالمي.8) سيادة الاستبداد في مستوياته المختلفة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. فالاستبداد، بالنسبة إلينا، لا يعي إلا اعتماد السلطة المطلقة، كوسيلة للحكم، مما يؤدي بالضرورة الى حرمان الجماهير من ممارسة حقها في التقرير، والتنفيذ، عن طريق الاختيار الحر، والنزيه، وعن طريق مراقبة الأجهزة التشريعية للأجهزة التنفيذية، بالإضافة الى مصادرة جميع الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، المنصوص عليها في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. وهذا المفهوم الاستبدادي للسلطة هو السائد في جميع البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، كما يدل على ذلك:ا ـ التسلط، بواسطة القوة، على رقاب الشعوب التي تحرم من ممارسة حقها في السيادة، من قبل الأسر، والطبقات، والطغم العسكرية الحاكمة.ب ـ قيام دساتير غير ديمقراطية، على هوى الحاكمين، لحماية مصالحهم، ولضمان تأبيد سلطتهم، إلى ما لا نهاية.ج ـ التعامل مع الحكام كمقدسين، لا يستطيع بشر الارتقاء إليهم، واعتبار حكمهم امتدادا لحكم الله. د ـ اعتبار الخضوع المطلق للحكام، جزءا من الدين، ومعارضتهم خروجا عنه، رغبة في إرضائهم، الذي هو في نفس الوقت إرضاء لله.ه ـ التعامل مع الحكام كمثلين لله في الأرض، يحكمون باسمه، ويطبقون "شريعته".و ـ إيجاد جيش، بأكمله، من مؤد لجي الذين الإسلامي، الذين يقومون بتأويل النص الديني لصالح الطبقات الحاكمة في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين؛ ،لأن النص الديني، إذا لم يؤول على هوى الحكام، لايمكن أن يخدم مصالحهم، وسيبقى مجرد مصدر للقيم النبيلة، التي يمكن أن يتحلى بها المسلمون، إذا تخلصوا من مظاهر أدلجة الدين الإسلامي، التي لا يأتيها الباطل من بين أيديها، ولا من خلفها، والتي ليست إلا تحريفا للدين الإسلامي عن طريق التأويل. ومن المعلوم أن مؤد لجي الدين الإسلامي يلعبون دورا أساسا في: ا ـ إعطاء الشرعية الدينية للحكام، حتى يزداد خضوع الجماهير إليهم. ب ـ العمل على صياغة المسلكية الفردية، والجماعية، انطلاقا من تأولهم الخاص للنص الديني.اعتبار الهدف من صياغة المسلكية الفردية، والجماعية، هو تطويع الشعوب من أجل القبول بالتجييش وراء الحكام، حتى يتمكنوا من خدمة مصالحهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وتأبيد سيطرتهم الطبقية على جميع المستويات. وانطلاقا من هذا الدور الذي يعتبر خطيرا، بالنسبة لواقع الشعوب في البلاد العربية، وفي باقي المسلمين، وعلى جميع المستويات، فإن مؤد لجي الدين الإسلامي لصالح الطبقات الحاكمة، يؤطرون المجتمع في كل بلد من البلدان المذكورة، من أجل القبول بفرض أشكال اللباس المتخلفة، والتي يسمونها حجابا، والذي صار بحكم العادات، والتقاليد، والأعراف، تقليدا اجتماعيا ببعد ديني.10) تكريس دونية المرأة على مستوى العادات، والتقاليد، والأعراف، من منطلق أن المرأة متاع، أو سلعة، أو عورة. ففي كل بلد من البلدان العربية، ومن باقي بلدان المسلمين، ونظرا للتخلف المزمن الذي لا زالت تعاني منه شعوب هذه البلدان، وبسبب عدم ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، نجد أن دور العادات والتقاليد، والأعراف، لا زال حاضرا بقوة، كما نجد أن انشداد الناس إلى العادات، والتقاليد، والأعراف، يعتبر من المسلمات التي لا تناقش، وكل من خرج عنها يعتبر شاذا، والعمل على خلخلتها يعتبر إجراما، ومسابا بالأخلاق الاجتماعية، الذي يعاقب عليه القانون. ومما يثير الاستغراب في هذه البلدان العربية، وفي باقي بلدان المسلمين:ا ـ أن التطابق قائم بين العادات، والتقاليد، والأعراف، وبين الدين الإسلامي.ب ـ أن تكريس دونية المرأة بحكم العادات، والتقاليد، والأعراف، يصير جزءا من الدين الإسلامي. وبناءا على ذلك، فقد صارت دونية المرأة في مجتمعات البلدان العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، من المسلمات. ولذلك فأي طرح لقضية المرأة، ينطلق من مسلمة دونية المرأة على المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. وعلى هذا الأساس، نجد أن المجتمعات في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، تتصدى بعنف لكل حركة تسعى الى العمل على إزالة دونية المرأة، عن طريق المطالبة بالعمل على احترام حقوق الإنسان، كما هي في المواثيق الدولية، وفي ميثاق إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وعن طريق ملاءمة قوانين الأسرة مع هذه المواثيق، حتى تتخلص المرأة من دونيتها. والمجتمعات في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، عندما تتصدى للحركات العاملة على إزالة دونية المرأة، فلأنها تتمسك، بشدة، بالعادات، والتقاليد، والأعراف المتخلفة. وهو أمر تساهم فيه بشكل كبير الطبقات الحاكمة، والتوجهات المؤدلجة للدين الإسلامي، المستفيدة بشكل كبير من تكريس دونية المرأة، ومن عدم احترام حقوق الإنسان، ومن غياب الممارسة الديمقراطية من الشعب، والى الشعب، في أي بلد من البلدان المشار إليها. وكنتيجة لذلك، فإن الدور الذي لازالت تلعبه العادات، والتقاليد، والأعراف في المجتمعات المذكورة، يفرض اعتبار الحجاب، المتمثل في أشكال الباس التي يعمل على تسييدها مؤد لجو الدين الإسلامي، تقليدا اجتماعيا يفرض نفسه على أرض الواقع، وببعده الديني.

الاثنين، 3 مارس 2008

مستقبل الدولة الدينية- هل فى الإسلام دولة ونظام حكم ؟


السيد القمني..

تأسيس جدلي : _ يبدو أن الإجابة على السؤال عنوان هذه الورقة ، أمر محسوم بالإيجاب من قبل كل المشتغلين بالشأن الديني الإسلامي ، و يلخص الدكتور يوسف القرضاوي ـ الملقب بالفقيه المعتدل ـ الموقف بقوله : " إن إقامة الدولة المسلمة التي تحكم بشريعة الله و تجمع المسلمين على الإسلام و توحدهم تحت رايته ، فريضة على الأمة الإسلامية يجب أن نسعى إليها . . و على الدعاة إلى الإسلام أن يعملوا بكل ما يستطيعون للوصول إليها ، و ان يهيئوا الرأي العام المحلي و العالمي لتقبل فكرتهم و قيام دولتهم / الصحوة الإسلامية بين التطرف و الجحود ص 222 ، 223 " .و عليه فإذا كانت إقامة الدولة المسلمة فريضة لتحكم بشرع الله ، فلا شك أن هذا الشرع قد وضع لهذه الدولة الأصول و الضوابط الكاملة التامة الجامعة المانعة نظراً لمصدرها الإلهي ، و أنه قد وضع لها نظام الحكم وطرق تبادل السلطة ، مع شرح و بيان و تفصيل لدستور الدولة و مؤسساتها و عوامل نهضتها و قوتها . و لكن إذا لم نجد أي إشارات من أي نوع أو لون لهذه الدولة المطلوبة في إسلامنا ، و هو ما نزعمه و نضع له البينات تلو الأخرى عبر سلسلة موضوعات تناولت فكرة الدولة الإسلامية ، و هو ما سنضيف إليه جديداً هنا يؤكد أن الله لم يبين للمسلمين ولم يطالبهم بإقامة دولة إسلامية . و مع ذلك يجعلها مشايخ الصحوة الإسلامية فريضة إلهية ، بما يعني أنها تكليف ديني للعباد من رب العباد لإقامة دولته الإلهية على الأرض ، و هو ما سيدفع السؤال للبروز : كيف يكلفنا الله بما لم يبينه لنا ؟ فإذا لم يبين الله لنا ضرورة إقامة دولته و شكلها ملكي أم جمهوري أم أي آخر ، فإن دعوة الشيخ قرضاوي و زملائه من إخوان مسلمين و أزاهرة و دعاة و فقهاء ، تكون افتئاتاً على دين المسلمين و كذباً عليهم و افتراء على قرآنهم و سنتهم ، من أجل الاستيلاء على مقاليد الحكم في البلاد مع استخدام الدين انتهازياً و نفعياً ، و هو لون من التبخيس و الازدراء للدين ، حتى يظهر غير قادر أن يدفع عن نفسه إستخدام كل من يريد ، من أجل ما يريد من مصالح و منافع دنيوية بحت . و الغريب أن السادة العاملين بحقل الدعوة الإسلامية يجمعون بين ما لا يأتلف و لا يجتمع ، فالدولة لا تقوم إلا فى وطن ، أرض ذات حدود ثابتة واضحة ومجتمع يعيش على هذه الأرض بالتحديد ، اللغز يلتبس عندهم عندما تجدهم يريدون دولة و رغم ذلك يعتبرون فكرة الوطن فكرة أوروبية استعمارية مستوردة ، و يسخر الشيخ قرضاوي هو نفسه منها و يسميها رابطة التراب و الطين التي لا تعلو على رابطة الدين العظيم ، بل و يزعم " أن الإنسان يضحي بنفسه من أجل دينه ، و يضحي بوطنه من أجل دينه ، فالدين مقدم على الإنسان / حلقة الظاهريون الجدد . الجزيرة " . و حل اللغز يكمن في فكرة التمكين ، و هو الفكرة القائلة بأنه يوم يتم تمكين المسلمين من إقامة دولة إسلامية في آي مكان ، فسوف يكون تمكيناً كتمكين المهاجرين من سيادة يثرب ، و منها تنطلق عزمات المسلمين لاحتلال الأرض كلها كي تدين بالإسلام ، لذلك لا حدود وطنية للدولة المسلمة ، فأرضها هي العالم كله ، عالم بلا حدود ، ومن هنا ساغ للشيخ أن يقول " ليس بمجتمع مسلم ذلك الذى تتقدم فية العصبية الوطنية على الأخوة الإسلامية حتى يقولالمسلم وطنى قبل دينى .... وأن دار الإسلام ليس لها رقعة محددة / كتابة ملامح المجتمع المسلم الذى ننشدة/ مكتبة وهبة / 2001 ص 86 ، 24 ، 57 ، 80 ." لذلك كان الشيخ شديد الصراحة فيما يتعلق بمفهوم المواطنة إذ يقول " فى واقع مصر والعالم العربى .. شجع المستعمرون النعرة الوطنية هادفين إلى أن يحل الوطن محل الدين وأن يكون الولاء للوطن لا للة وأن يقسم الناس بالوطن لاباللة ، ان يموتوا فى سبيل الوطن لافى سبيل اللة / كتابة الإخوان المسلمون/ مكتبة وهبة / 1999/ ص 19 ، 20 .يعود السؤال يطرح نفسه : كيف يكلفنا الله بإقامة دولة دون أن يشير إلى ذلك لا في القرآن و لا في الحديث النبوي ؟ أن الصحوة الإسلامية بدعوتها لإقامة دولة تعني حرباً عالمية على الجميع ، لأنه إذا ما صدقنا أن الإسلام دين و دولة ، و أن الإسلام دين عالمي ، فستكون النتيجة أن العالم كله هو دولة الإسلام . و هو مأزق شديد الصعوبة يضع جميع المسلمين في حالة خروج و عصيان جماعي على الشريعة الدولية ، و يزيد من ضعف شأنهم و تخلفهم نتيجة عدائهم و خصامهم و كراهيتهم للنظام الغربي بمنجزه العلمي و الحضاري كله . هنا نسأل سؤالاً عملياً هو : كيف لنا أن نوجه خطاباًً ليبرالياً يحترم الإسلام و يقف على أرضه و ينافح عنه ، يقوم بمصالحته مع الحداثة بإعادة قراءته قراءة علمية محايدة مدققة . و كيف نكتسب القارئ المسلم العادي ( فما فوق ) للاستماع لما نطرحه عليه و الاستمرر في هذا الاستماع ، بل و ربما السعي وراءه . إن فكرة المؤامرة التي تسيطر على العقل العربي و المسلم تجعل الفرد غير قادر على تجاوز حاله الراهن ، لأنها لا تجعله يرى ما بيد الآخرين من وسائل التقدم و الرقي ، لأنهم أعداء ( و عادة ما تكرس هنا و تعاد حكاية الاستعمار الحديث و أمريكا و إسرائيل ) ، و للاعتقاد بأن ما بيدنا في إسلامنا فيه كفاية و غنى عن رؤية أى مختلف أو جديد ، لأن مصدره الإلهي يضمن كماله التام . تحت هذه المظلة كيف يمكن أن نوجه خطاباً عقلانياً للمسلم ، و نموذجنا في هذه الورقة هو ( فريضة إقامة دولة إسلامية ) ؟ كيف يمكن دحض هذه الفكرة ؟هنا علينا تذكير المسلم أن قريشا قد عرضت على النبي محمد ( ص ) في بداية دعوته أن يكون ملكاً عليها ، فرفض صيغة الملك كوسيلة للسلطة ، و أصر على أنه نبي رسول و عبد من عباد الله مكلف بإبلاغ أمر الدين ليس أكثر ، جاء يبلغ الناس دين الله حسبما أمره ربه ، بل و رأى في الملك صورة سلبية من صور السلطة فقالت الآيات القرآنية إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أعزة أهلها أذلة . الملحوظة الأهم هي أنه لو كان محمد ( ص ) يرى في نفسه ملكاً مقيماً لدولة لاستخلف بعده من يقوم بالرئاسة لهذه الدولة ، و هو ما لم يفعل ، لقد بلغ المطلوب منه تبليغه ، رسالة الدين ، وعدا ذلك لم يشغله لأنه ليس من الدين في شئ .الملحوظات الأكثر أهمية أن خلفاء النبي المباشرين في القيادة و الزعامة و المعروفين في تاريخنا بإسم الخلفاء الراشدين ، حكموا بضميرهم الشخصي و باعتبارهم كانوا صحابة النبي الأقربين ، مع علمهم أنهم لا يحكمون في دولة و وطن له حدود واضحة وأرض ذات صفات بيئية بعينها . كانوا يعلمون أنهم زعماء قبيلة يحكمون باسم السلطة و القوة و الإنتصار العسكري ، و أنهم قد ورثوا تلك الزعامة القبلية علي بقية القبائل عن النبي المؤسس . كانت شكلاً بدائياً لدولة تولد و لم تكتمل ملامحها ، و لا شكلها ، و لا نظامها ، و لا دستورها ، و لا مؤسساتها ، و لا قانونها و سبل تفعيله ، و لا فلسفتها الأخلاقية و السياسية و لا أجهزتها الرقابية و المحاسبية. و لم تكتمل تلك الدولة من يومها و حتى اليوم ، لأنها ولدت في مجتمع مشرذم قبلي بدوي لا يجمعه وطن لأنه متحرك أبداً ، و في مجتمع كهذا تكون الدولة بما تعنيه لنا اليوم شيئاً غير مفهوم لهم بالمرة. كانت المسألة هي حسبما ورد في معجم العربية ( السيادة و التمكين و الرئاسة و الأمر و السلطة ) ، و هي كلها مصطلحات عرفها العرب و لكن بعيداً عن مفهوم نظام الحكم في دولة . لذلك تولى كل من الخلفاء الراشدين الحكم بطريقة تختلف عن الآخر ، و أدار كل منهما شئون الرعية بطريقة تختلف بالكلية عن الآخر ، فالحقوق في عهد الخليفة أبي بكر غيرها في عهد عمر غيرها عثمان غيرها عند علي ( رضي الله عنهم ) ، فيينما ساوى أبو بكر في العطاء و مات مسموماً في روايات فقد فرق عمر هذا العطاء تناسباً مع منازل الناس و مكانتهم و مات مقتولاً ، و بينما امتنع كلاهما عن الاستفادة الشخصية البازخة من بيت المال فإن عثمان سمح لنفسه بذلك و مات ذبيحاً بيد الصحابة ، و قد تولى أبو بكر الحكم استناداً لتكليفه بإمامة الصلاة في مرض النبي الأخير ، و تولى عمر بطريقة جديدة فقد استخلفه أبو بكر ، و تولى عثمان بطريقة ثالثة عبر ترشيحه ضمن ستة اختارهم عمر عند موته ليختاروا واحداً من بينهم ، و بينما بايع بعض المسلمين الإمام علي امتنع آخرون عن بيعته و حاربوه حتى سقطت خلافته بمقتله. و كلنا يعلم أن الإسلام عندما كان يهتم بشأن لا يتركه إلا مفصلاً واضحاً أبيضاً بشديد الدقة و التدقيق ، فالصلاة ، و عددها في اليوم ، و مواعيدها ، و عدد ركعتها ، و سجداتها ، و ماذا يقال فيها ، و قبل و بعد ، و التهيؤ للصلاة بالنظافة من الوضوء و إسباغه و طرقه و غسيل اليدين للمرفقين و الرجلين للكعبين ، و قبل الوضوء الاستنجاء أى دخول الغائط و التنظيف بأحجار لها مواصفات و عددها ثلاثة ، كل هذه التفاصيل في شأن تعبدي واحد فما لنا لا نجد عن الحكم و الدولة شيئاً يذكر البتة ؟ ! لماذا لم يشرح الله لعرب الجزيرة شأن الدولة بدقة ، و هو عالم أنهم جهلاء و أن نبيهم أمي ؟ لماذا لم يبين سبل تبادل السلطة ؟ و لماذا لم يرسل لهم دستورها و كيف تتشكل الحكومة ، و أجهزتها الرقابية و القضائية ، و درجات المحاكم ، و شكل اقتصادها حر أم موجه أم مزيج ؟ إن السماء لا تعبث فهي عندما تكلفنا بشأن فهي تبين كل جوانبه كما في التكليف بالصلاة ، و مع ذلك يقول مشايخنا أن إقامة الدولة الإسلامية فريضة تكليفية بينما لا نجد في القرآن أو السنة أى فلسفة للدولة ، و نظم الحكم ، و المراقبة ، والمحاسبة الحكومية ، و الشعبية ، و دستورها ، و قيم هذا الدستور . . . إلخ . و قول دعاة الدولة الإسلامية ، أن دولة النبي كانت دولة بالمعنى الكامل الذي نفهمه منها اليوم ، و كان دستورها هو القرآن الكريم ، هو قول يفتقر إلى الدقة ، بل إلى الصواب بالمطلق ، لأن للدستور شأن يختلف عن القرآن ، فمعظم نصوص الوحي ظنية الدلالة كما قرر الأصوليون و جمهور الفقهاء ، و هي الأشكالية التى حاول الجويني ثم الشاطبي حلها بالركون إلى المقاصد الكلية للشريعة بدلاً من الوقوف عند حرفية النص القرآني . و يقول الشيخ جلال الدين السيوطي : " و قال بعض العلماء أن لكل آية ستون ألف فهم " ، فإذا كان النبي فى زمنه موجوداً و يستطيع أن يحيل إلى الفهم الصحيح من بين الستين ألف فهم ، فمن يستطيع اليوم أن يحل محله عندما نجعل القرآن دستور دولتنا ؟ هذا ناهيك عن كون نصف آيات القرآن الكريم منسوخة و نصفها ناسخ ، و فيها المحكم و المتشابه ، و هو كله أمر احتاج بالضرورة إلى وجود النبي بين الصحابة لعلاقته بالسماء التى كانت تتدخل لحل المشاكل المستجدة ، أما شأن الدستور المدني و الأهم هو قابليته للتطبيق دون اختلاف ، لأن كلماته يجب أن تكون صارمة دقيقة واضحة لا تحتمل أكثر من دلالة و فهم واحد ، و إذا تم إلغاء بند من بنوده يزال من الدستور و لا يبقى فيه منسوخاً . و تقفو الملحوظات المندهشة بعضها بعضا ، فقبل الإسلام بقرون طويلة كان إفلاطون قد انتهى من كتابة ( الجمهورية ) ، وانتهى أرسطو من وضع فلسفة السياسة و أحولها ، و قبل الإسلام بقرون طويلة طبقت أثينا نظام الدولة الديموقراطية المباشر ، و طبقت روما ديموقراطية تقوم على حقوق المواطنين عبر مجلس الساناتو ، و مواد الدستور و سيادة القانون ، و لا شك أن المسلم يؤمن أن الله كان يعلم كل هذا ، لكنه لم يحدثنا فيه و لا أشار إليه و لا أتخذ منه موقفاً ، مع ملاحظة أن الإسلام قارن بين الإسلام و الأديان الأخرى ، و اتخذ منها موقفاً سلبياً أو إيجابياً ، لكنه لم يقل أن لديه دولة و إلا لقارنها بالدول الأخرى مبيناً فضل دولته و تميزها عن غيرها ، كما قارن بكثير من التفاصيل الواضحات القاطعات بين الأديان لبيان فضل الإسلام على غيره من أديان . و لو أراد لنا أن نقيم دولة إسلامية ، و ألا نستفيد من تجارب الشعوب الأخرى السياسية ، لكان عليه أن يحذرنا من افلاطون ، و أن يندد بدستور روما ، و يهجو سياسة ارسطو . و لكن كل ذلك لم يكن وارداً لأن الإسلام كان ديناً فقط . و نلحظ بشدة أن القرآن قد تحدث عن ذي القرنين الثابت لدينا أن المقصود به هو القائد اليوناني إٍسكندر بن فيليب المقدوني ( انظر كتابنا الأسطورة و التراث ) ، و معلوم أن الأخير كان تلميذ الفيلسوف أرسطو ، و لم يتم التنديد بأرسطو و فلسفته و لا بربيبه ذي القرنين الذي تسنم ذروة عالية في الإسلام ، حتى كاد يكون مثل موسى ( ص ) كليماً لله . الحاكمية كمؤسس شرعي لدولة دينية : _ و لدعم موقفهم يرفع أنصار إقامة الدولة الإسلامية مطلبهم تأسيساً على آية قرآنية و شعار إعلامي ترويجي ، الآية هي ما يسمونه آية الحاكمية " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ، و الشعار " الإسلام هو الحل " . فكما أنجز الإسلام قديماً و نصر الأراذل الأذلة الضعفاء القلة في بداية الدعوة ، حتى جعل منهم و من أخلافهم سادة لإمبراطورية كبرى ، فإنه وحده هو الكفيل باستعادة هذة النصرة الإلهية ، عن طريق عملية السحر التشاكلي حيث ينتج الشبيه شبيهه ، فإن أطعنا الإسلام في أدق تفاصيله و عشنا كما عاش النبي و الصحابة في طاعة كاملة للسماء ، فإن ذلك سيكون كفيلاً بانتاج الشبيه لشبيهه ، و سيتدخل الله لنصرة أمته التي أخلصت له الدين ، و تعود الإمبراطورية و الفتوحات من جديد . و عليه فحل كل مشاكلنا ، و كل عمليات الإصلاح الممكنة لا تكون إلا من الإسلام و بالإسلام وهو في النهاية طريق و منهج سحري ميكانيكي يطالب رب السماء بنصيبه من العقد بالتدخل المباشر بنفسه لإنقاذ خير أمة أخرجت للناس ، و دون حلول يقدمها المسلمون لأنفسهم . إن آية الحاكمية تبدو لنا مؤسسة لدكتاتورية تامة المعاني و المواصفات ، لأن أصحاب الدولة الإسلامية هم مشايخها ، هم العارفون بما أنزل الله و هم من يمكنهم تفسير كلام الله و هم الفاهمون العارفون بشريعة الله ، و هم أيضاً من يعرف كيفية تطبيقها و حدودها و عقوباتها ، باختصار هي دعوة تجعل من أصحابها المشرع و القاضي و الجلاد في آن واحد . ثم أن معنى الآية من لم يحكم بما أنزل الله كافر ، فهو على الوجه الآخر يعني أن من يحكم بما لم ينزل الله فهو كافر ، و إقامة دولة إسلامية لم تكن فيما أنزل الله ، و ستكون نظاماً يقوم مخالفة تامة للآية ، فآية الحاكمية ليست في صالح الفكر السلفي كأساس يقيمون عليه شرعية دولتهم المرتقبة . و المفهوم من التكفير في الإسلام ، أنه يكون في حالة عدم التزام المسلم بقاعدة تشريعية مدونة في كتاب الله ، أو الخروج عليها . و الله لم ينزل في كتابه أى نص بقاعدة تشريعية عن دولة الإسلام . و رغم السيادة القيادية لقريش و إقامتها إمبراطورية عربية إسلامية من بعد ، فإن الصحابة ظلوا يجرون التجارب ، دون وجود مرجعية دينية لقيادة هذا الشاسع الذي فتحوه ، ثم سلموا لهذه البلاد بنظمها الإدارية البيروقراطية التراتبية الهرمية و بدواوينها ، كما كانت تدار من قبل لعشرات القرون ، و استفادوا منها و أقاموا دواوين الإمبراطورية العربية . فإذا لم نجد في نصوص القرآن و السنة ما يفيد بإقامة دولة كهدف من أهداف دين الإسلام ، فهل نجد ذلك في طريقة حكم الصحابة الخلفاء ؟ و تفعيلاً لحديث " لا تجتمع أمتي على ضلالة " ، و هو أحد التعابير العربية التى يكتظ بها قاموسنا و لا معنى لها في واقعنا ، هي أقرب إلى شعر الفخر و التمنيات أكثر مما كانت واقعاً ، فلم يحدث أن أجمع المسلمون على حكم أى صحابي و لو واحد من الصحابة الذين حكموا ، و الصحابة أنفسهم لم يجمعوا على مدة الحكم ، و لا كيفية الوصول إلى الحكم ، و لا نظام الحكم ، و لا مؤسسات المجتمع المدني التي لم تكن معروفة بإطلاق ، و لا فصل سلطات ، و لا مجلس شيوخ أو نواب ، فهذا كله لم يكن معلوماً لديهم .و إذا كان الله يريد دولة على الأرض ، و اختار الإسلام و المسلمين لهذه المهمة ، فهل عاش كل الناس و الأنبياء السابقين في دولة الشيطان ؟ و هل لم يعبدوا الله بصورة حسنة قبل الإسلام و قبل قيام إمبراطورية الإسلام و بعد سقوط هذه الإمبراطورية ؟ الواضح في الآيات أن الله يقصد " من لم يحكم بما أنزل الله " تحذيراً بأن الله أنزل شأناً و أن هناك من لم يحكموا بهذا الشأن ، و ليس في هذا الشأن دولة و لا نظام حكم ، فالحكم المقصود في الآية هنا هو الحكم بمعنى القضاء و التقاضي بين الناس بموجب قانون شرعي سماوي ، و ليس الحكم بما نفهمه من الرئاسة و القيادة و الزعامة . و لم يعرف اللسان العربي من الحكم ما نفهمه منه اليوم ، لذلك الحكمة هي الحكم وفق القانون و ليست الملكية أو الرئاسة . و إذا كان دعاة الدولة الإسلامية يرون أن هذا الذي أنزل الله هو نظام الدولة ، و أن هناك من رفض العمل بهذا النظام لذلك نزلت الآية تحذر و تتوعد ، فعليهم أن يأتونا بأسباب النزول من تراثنا الثري المكرر الممل لكثرة التكرار و التفصيل عن الواقعة ، و كيف حدثت ، و من الذي حكم بما أنزل الله و من هذا الذي لم يحكم بما أنزل الله ؟ عليهم أن يبينوا لنا من هؤلاء الذين رفضوا دولة الإسلام زمن النبي ، و ماذا كان موقف النبي منهم ، و ما هو البديل الذي كانوا يطرحونه . . .إلخ . إن التاريخ ناصع واضح ليس فيه دولة إسلامية ، و لم يكن هناك من يقاوم قيامها ، فآية الحاكمية ليس لها بنظام الحكم السياسي أى علاقة ، و قد أكد إله الإسلام وجوب الإبتعاد عن الدولة الدينية بقوله : و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، لأنه لم ينزل الدولة و من يطلبها حسب هذا الفهم هو من بين هؤلاء الذين وصفتهم الآيات بـ " أؤلئك هم الكافرون " .و إذا كان النبي قد سبق و عرف و علم ما يعلمه المتأسلمون اليوم عن آية الحاكمية ، فلماذا لم يعرض الرسول نظام دولته الجديدة على الناس كما عرض عليهم دينه الجديد ؟ أم كانت دولة الإسلام موجودة دون علم الرسول ؟ ! الإسلام و طرق الحكم : _ في الحفل الإعلامي الدعوي الدائم ، المقام للصحوة الإسلامية منذ ثمانيات القرن الماضي و حتى اليوم ، تجد الإصرار على تهيئة العقل المسلم لقبول فكرة شديدة البطلان ، مفادها أن الإسلام قد احتوى على كل ما وصلت إليه الحداثة من مبادئ ، و قيم ، و حقوق إنسانية ، و عقد اجتماعي ، و أنظمة سياسية ديموقراطية ، و حرية فردانية مقدسة . . . إلخ .فإذا كان المسلمون يملكون كل تلك الأدوات الحاكمة بين الشعب و الحاكم في مؤسسات دولة ، بما أدى لإرادة شعبية واعية أصبحت هي الحاكم الحقيقي عبر انتخابات حرة ، فلماذا نحن في قاع الأمم ، بينما شعوب الغرب الكافر قد صنعوا جنتهم في بلادهم في أرضهم . إنها ذات قصة العلم و الإيمان أن نعيش وهمنا الخاص لنؤكد لأنفسنا أن كل قيم التحضر كانت موجودة لدينا لكننا لم نعرفها حتى اكتشفها لنا الغرب الكافر الملعون .إن معظم هذه المفاهيم عن عقد اجتماعي و حريات و حقوق إنسان ديمقراطية علمانية ، هي بنت زماننا ، و لم يعرفها الإسلام لأنها لم تكن قد وجدت في القاموس الإنساني بعد ، ومن يقول بغير ذلك ، فهو كمن يقول أن الصحابة و الفقهاء عرفوا قيم العدل و التفوق و التحضر و لم يعملوا بها ، و تركوا المسلمين تحت الاستبداد الخليفي و الإمامي ، و هي بهذا المعني جريمة تاريخية لا تغتفر و لا تليق بالصحابة و لا الفقهاء . لنأخذ واحداً فقط من هذه المفاهيم ( مفهوم العدل ) ، الذي يجمع عليه دعاة الدولة الإسلامية كقاسم قيمي مشترك لجميع التيارات ، فلا أحد سيختلف على العدل كقيمة حقوقية و اجتماعية و اقتصادية و سياسية ، فهي قيمة القيم جميعاً و أسها المشترك . المشكلة تواجهنا عندما نبدأ التعامل مع مفهوم العدل بتغير المكان و الزمان ، و في زمان مختلف عن زماننا ، و في مكان مختلف عن مكاننا ، عاش أعدل حكام زمنه في الحجاز الخليفة عمر بن الخطاب ، حتى صيغت حول عدله الأقاصيص و الأشعار الشهيرة : حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر ، و هو من تحولت بعض أقواله قرآناً نزل به الوحى مؤيداً لما رأى عمر ، حتى روي الترمذي عن النبي ( ص ) : " لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر " ، و أجمعت الروايات أنه كان صليباً في دين الله لا تأخذه في الله لومة لائم .كان من عدل عمر في زمانه أنه كان يوزع الأموال التي انهمرت على يثرب من البلاد المفتوحة ، حتى لا يبقى في بيت المال درهماً يحاسبه الله عليه . . . ماذا فعل به ؟ ، و كان أخشى الناس ـ فيما كان يردد ـ من مكر الله . فكثر المال و نزح الخيرات الضنينة الموجودة في الجزيرة دون إنتاج موازي ، فدخلت أعوام المجاعة المعروفة بالرمادة . لأن الخليفة كان معياره و همه الأساسي هو اتقاء مكر الله ، و أن يضمن لنفسه النجاة يوم البعث و الحساب ، لأنه لم يكن رجل سياسة و اقتصاد ، فوقعت كارثة الرمادة رغم انهمار أموال الفتوحات . صام الخليفة العادل عن أطايب الطعام و أكل الشعير الملتوت بالزيت حتى أسود جلده ، مشاركاً رعيته مصابهم الجلل ، و من ثم أرسل لعمرو بن العاص يستغيث ، فأرسل إليه بقافلة طعام و سوائم نفق معظمها في الطريق ، فاستشار ابن العاص المقربين منه من المصريين عن اسلم و أسرع السبل لوصول المؤنة إلى يثرب ، فأشاروا عليه بإعادة حفر قناة سيزوستريس التي تربط النيل بالبحر الأحمر ، لكن ذلك كان يعني بوار أرض مصر عدة أعوام ، نتيجة انشغال اليد العاملة في سخرة القناة ، فرد عليه الخليفة عمر : " اعمل فيها و عجل ، أخرب الله مصر في عمار مدينة رسول الله / الطبرى ، وعلى اتفاق بين رواة السير والأخبار / كناب التاريخ / ىبيروت / مجلد 2 ص509 " . و هكذا كانت منظومة و منطق ذلك الزمان أنه على المهزوم أن يدفع ثمن هزيمته الدائم ، و أن عمراً كان لا يرى المصريين ضمن رعاياه ، لأن رعاياه هم العرب المسلمون وحدهم ، لذلك شاركهم مصابهم ، و طلب لهم الغوث و لو بخراب مصر . و عمر هو صاحب عهد الذمة المشهور الذي تعامل مع غير المسلمين في البلاد المفتوحة بحسبانهم عبيداً أنجاساً مناكيد ، يجب أن يعلنوا عن أنفسهم بلبس ما يغاير المسلمين حتى يعرفوا فلا يسلم عليهم و لا يتاجرون مع المسلمين ، قال مالك بن أنس : " بلغني أن عمر بن الخطاب كتب إلى البلدان ينهاهم أن يكون النصارى و اليهود في أسواقهم و أن يقاموا من الأسواق كلها " . و من ثم لم ير في هؤلاء رعية له ، بل كنوا مجرد أشياء نافعة كالسوائم ، فهم مجلب ومصدر للفيئ و الجزية مع تحملهم المذلة و الهوان طالما ظلوا غير مسلمين . و هو شأن غير شأننا اليوم ، لأن في بلادنا مواطنين غير مسلمبن لا نستطيع أن نسلبهم حق المواطنة ، أو أن نعاملهم كدرجة ادني في سلم البشرية .و على مستوى جزيرة العرب حيث رعية الخليفة ، فإن الخليفة إيغالاً منه في خلوص ضميرة ، قام يقسم الفيوء الواردة من البلاد المفتوحة على عرب الجزيرة حسب منازل الناس في الدعوة ، ففرض لمن حضر بدراً خمسة آلاف ، لأنهم كانوا وقود النصر البدري و مفصل تحول محوري من ضعف إلى قوة ، حتى أن النبي ( ص ) قال بشأنهم : إن الله قد غفر لأهل بدر ما تقدم من ذنب و ما تأخر ". و فرض لمن بعد بدر حتى الحديبية أربعة آلاف ، ثم من الحديبية إلى نهاية حروب الردة البكرية ثلاث آلاف ، ثم لأهل القادسية و الشام ألفين ، و حتى اليرموك ألفا . . و أدخل مع أهل بدر من ليس منهم ، مثل الحسن و الحسين وأبا ذر و سلمان ، بل و فرض للعباس عم النبي متألفا الهاشميين ، و كان العباس كافراً حتى فتح مكة ، خمسة و عشرين ألفا ، و أعطى نساء النبي من الفيوء كل منهم عشرة آلاف عدا مماليك النبى من ملكات اليمين مثل ريحانة بنت عمرو بن خنافة . فتحزب نساء النبي و طلبوا المساواة بينهم في العطاء الحرة كالأمة، ففعل ثم زاد عائشة بألفين ردتهم عليه . و هكذا في سبيل خلوص ضمير عمر ، قسم الناس رتب و منازل بين المسليمن فلم يعودوا رعية، وانعدمت المساواة بالمرة ، و هذا كله كان مقبولاً في زمنه لأنه كان يحكم بضميره الشخصي كصاحب و مستشار للنبي عندما كان حياً . و ما عاد ممكناً أن يتم حكمنا اليوم بهذه الطريقة الإسلامية ، لأن المساواة بين المواطنين هي الأس الأول لقيام دولة حديثة ديمقراطية . حتى لو وافقنا على كل ما يفصلها عن زماننا من أختلاف في معنى القيم ، و سلمنا بهذه القيم القديمة فإننا سنكون في هذه الحال بحاجة لعمر أو للنبي ليحكمنا لنسلم له رقابنا و نحن مطمئنون إلى عدله ، و ليس إلى القيمة نفسها ، و ليس بيننا اليوم من يمكنه أن يزعم هذا الزعم و يركب هذا المرتقى الصعب . لهذا كله و مثله كثير في تراثنا نحن لا نصدق أصحاب الدولة الدينية و لا في شعيرة ، و لا حتى في جناح بعوضة ، لأنهم إنما يريدوننا ميراثاً و رثوه عن سادتنا العرب الفاتحين ، و لا نصدق إشاعتهم عدم شرعية الحكومات الإسلامية القائمة لعدم تطبيقها الشريعة ، حتى يكون أهل الدين هم البديل الشرعي المرضي عنه من السماء . بينما الشريعة لا تطبق ، لأنها أصبحت غير قابلة للتطبيق ، فلم يعد العالم كله اليوم يسمح لأى دولة بالعقوبات البدنية ، و علي السعودية هذه الأيام ضغوط هائلة بهذا الشأن ، تسجل فيها تراجعات يومية ، و لا عاد يسمح بقتل من يختار ديناً مختلفاً ، و لا عاد يقبل بسبي الجواري و ركوبهن في الحروب ، و لا عاد يسمح بنظام الرق الذي كرسنا له فقهاً كاملاً مطولاً يقوم على ثلاث و عشرين آية قرآنية ، فلا وجود اليوم لأمة أطأها و لا أم ولد أعاشرها ، و هي من لزوم ما يلزم الشريعة الإسلامية ، هذا ناهيك عن كون الشريعة الإسلامية كما نعرفها اليوم قد وضعها بشر مثلنا لم يأتهم الوحي ، و هي بهذا المعنى ...وضعية كأى قوانين وضعية لا تأخذ شكل الإلزام المقدس.من العلمي أن ندقق هنا ونقول أن المسلمين قد عرفوا شكلاً للحكم يقوم على توحد كونفدرالي للقبائل تحت سلطان قبيلة قائدة ، لكن هذا النظام لم يتحول إلى معنى الدولة إلا بعد إستيلاء العرب الفاتحين على دول قائمة ذات حضارات و أنظمة سياسية ممتدة في عمق التاريخ ، و علقوا عليها يافطة الإسلام . أما قبل ذلك و في جزيرة العرب ، فإن شكل نظام الحكم و تداول السلطة كان بدائياً بدائية مكانه وزمانه . كان في زمانه و مكانه مشغولاً بالحفاظ على ما تم تحقيقه من توحيد القبائل تحت سيادة قريش ، و ظل محافظاً على هذا الشكل فلم يكن للدولة الإسلامية من فجرها جيش مؤسس متخصص على سبيل المثال ، إنما كان النبي يدعو القبائل إلى الخروج للحروب ، و لكل منها رايتها المميزة لها ، و عليها أن تأتي أيضاً بأدوات الحرب من خيل أو دروع أو سيوف أو رماح معها ، و يتم تقسيم الغنائم على العسكر المحاربين دون القاعدين ، فهذا مجتمع بدوي بدائي عصابي التشكيل و المنهج ( يقوم على العصبية أساساً ) . و ليس هذا قدحا فيه بل وصفاً لحاله و ظرف زمانه و مكانه ، فهذا أقصى ما كان يمكن الوصول إليه من توحيد لشراذم القبائل البدوية التى تكاد تكون كل منها دولة بمفردها ، و كان مثل هذا التوحيد لقبائل العرب هدفاً أعلى للإسلام ، و عندما تحقق الهدف أعلن الله أنه قد اختتم المشروع الإسلامي بقوله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتى و رضيت لكم الإسلام دينا " ، و هو ما يعني اكتمال النعمة الإلهية بتوحد العرب تحت راية الدين الإسلامي ، و ليس أبعد من هذا . و بعدها ظل هاجس التفكك القبلي هو القائم و الدائم ، و الذي أطلق عليه الفقهاء ( الفتن و الملاحم ) . كان هذا المجتمع يخشى أي تفكك يؤدي إلى فتن إنفصالية ، فخروج الفرد يعني خروج قبيلته معه ، فيخرج مسيلمة لتخرج معه كل اليمامة ، و يخرج الأسود العنسي لتخرج معه كل اليمن ، و هكذا ، و تاريخ العرب هو تاريخ تناطح سيادات القبائل و كبريائها فيما أسموه ( أيام العرب ) ، و هي مذابح كانوا يفتكون فيها ببعضهم البعض لأتفه الأسباب ، و يفخرون بـ ( أيامها ) ، مع العلم الوحيد عندهم وهو علم الأنساب ، والذى يعنى ( علم عدم المساواة ) . كانت فتنة التفرق القبلي بحكم سلطان البيئة الصحراوية ، دافعاً للعمل بنظام ديكتاتوري صارم على مستوى السلطة و الحكم ، بل و دعم هذا النظام ليكون أقوى من كل القبائل ، و يمكن أن يشن عليها الحروب لإخضاعها ، ومن الفتن الصغرى إلى الفتن الكبرى ، عانى التاريخ العربي من الطغيان الشرقي الخليفي نتيجة نشأته و تكوينه البدوي . في أيامنا نتحدث عن نظام ديموقراطي فيه أحزاب أكثرية و أقلية ، حاكمة و معارضة ، و عن رئيس يتم اختياره من بين عدة مرشحين وفق أصول و ضوابط دستورية ، بينما في أيامهم قال النبي ( ص ) : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا واحداً منهما / صحيح مسلم / كتاب الإمارة / باب وجوب طاعة الأمراء " . هنا لا شئ اسمه أحزاب ، و لا شئ اسمه معارضة . . . هناك حاكم واحد بيده كل السلطات لمنع الفتنة و انقسام المجتمع إلى قبائله الأولى . و تتداعى الأحاديث تدعم و تؤيد الأمير حتى لو فسق و فجر و ظلم ،" فاسمع للأمير حتى لو ضرب ظهرك و أخذ مالك / حديث صحيح " ، و عن عبد الله بن عمر : " إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر و عليك الشكر ، و إذا كان جائراً ، فعليه الوزر و عليك الصبر ، فهذا امتحان من الله يبتلي به من يشاء من عباده ، فعليكم أن تتقبلوا امتحان الله بالصبر و الإنأة لا بالثورة و الغيظ " . وقال وهب بن منبه أن الله أنزل على نبيه داود : " إني أنا الله مالك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، فمن كان لى على طاعة جعلت الملوك عليهم نعمة ، و من على معصية جعلت الملوك عليهم نقمة " .و في تلك البيئة البدوية البدائية في شاسع جغرافي لا يتوحد إلا بقوة قاهرة ، كانت فلسفة السياسة ترى ظلم السلطة للمواطنين هو عقوبة ربانية تأديبية ، أنظر الحديث الداعي المبتهل : " اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا " . و عليه لا يعود الظلم ظلما ، لأن الملك أو الخليفة أو الرئيس وفق هذا الحديث هو مندوب السماء لتأديبنا ، و هو مفهوم شديد الإبتدائية يبرر الظلم و يبرئ ذمة السفاح و يدين القتيل ، و هو إن صلح لبيئته فهو لا يصلح لبيئات و أزمنة أخرى . أما سبل الوصول إلى السلطة ، فقد بينتها كتب تشرح مدى أهمية وجوب الإمامة و الطرق إليها ، يقول فصل في وجوب الإمامة و بيان طرقها من كتاب الإمامة و قتال البغاة ، من كتاب روضة الطالبين فصل الطريق الثالث لتنصيب الإمام : " فإذا مات الإمام فتصدى للإمامة ، من جمع شرائطها ، من غير استخلاف و لا بيعة ، و قهر الناس بشوكته و جنوده ، انعقدت خلافته لينتظم شأن المسلمين . فإن لم يكن جامعاً للشرائط ، بأن كان فاسقاً أو جاهلاً ، فوجهان : أصحهما انعقاد الخلافة لما ذكرنا ، و إن كان عاصياً بفعله " . هذه المرجعية السياسية كانت زمنها في بيئتها ضرورة لا سبيل دونها لاستمرار تماسك هذا التوحد القبلي الكونفودرالي ، ولازالت هي المرجعية الإسلامية التي يريدها دعاة الدولة الإسلامية ، مرجعية لدولة يؤكدون أنها ديموقراطية !! فكيف يلتقيان ؟ كانت الخلافة طوال عصورها هي الاستبداد عينه ، و الطغيان ذاته ، و انعقاد البيعة كان يتم بالاستيلاء أولاً على السلطة ، ثم سوق الناس لبيعة السلطان الجديد بالزواجير ، و عندما امتنع آل بيت النبي من الهاشميين عن مبايعة أبي بكر ، أرسل إليهم عمر بن الخطاب و معه نار يريد أن يحرق بيت فاطمة بنت النبي على المجتمعين بداخله عليهم ، و كان أمر أبي بكر لعمر " إن أبوا فقاتلهم " . لا معنى هنا إذن لكلمة معارضة كما نفهمها اليوم ، ولا علاقة لهذه البيعة بنظام دولة ديموقراطي أو غير ديموقراطي ، كانت نظاماً خاصاً جداً ، و كانت البيعة عبارة عن إعلان إذعان شعبي للحاكم الجديد ، لأن الإمبراطورية الإسلامية قامت على مبدأ عنصري طائفي لا يعترف بأي تعددية و هو أمر لا علاقة له بالدين في حد ذاته ، و بالتأكيد لو تعددت سلطات الطوائف لتفكك المجتمع و تحارب ، هكذا منطق التاريخ القاهر الصانع لما يلائم الزمن و المكان ، و هو ما حدث في العراق عندما جعلت كل ملة و كل مذهب من رؤيتها ديناً صحيحاً تحارب به الدين الباطل ، و الباطل هو أى دين أو مذهب آخر حتى داخل الإسلام نفسه . فكانت مجازر لا تزال قائمة ، ندعو لها بألطاف الله حتى ينزلوا الطائفة و الدين من على سلم القيم الأولى ، و أن يضعوا الوطن قبل الدين على سلم القيم الأساسية للمجتمع ، حتى يتوقف نزيف الدم المفجع المهين . إن التعددية في المبدأ الديموقراطي القائم على قيمة الوطن العليا التي لا تدانيها قيمة ، لأنها التي تجعل المرجعية هي المواطنة و الولاء لوطن يجمع الجميع على اختلاف مللهم و نحلهم و مذاهبهم في مساواة تامة تخلق حرية فتخلق ديموقراطية ، تعددية مسالمة منتجة تقوم على الترابط وفق عقد اجتماعي قانوني تتحدد فيه الحقوق و الواجبات للجميع على حد سواء . هذه هي شروط قيام الدولة الديموقراطية ، فأين هي مما رأيناه في الدولة الإسلامية المزعومة حسب شروطها الشرعية ؟ ! واقعنا بين الدولة الدينية و المدنية : _ في معظم عالمنا الإسلامي ديكتاتوريتان تتصارعان على إستمرار الديكتاتورية و ليس إقامة الديموقراطية : _ 1. ديكتاتورية عسكر و أسر حاكمة و يمثلون الخليفة الإسلامي التاريخي ، و يحاكون نظامه .2. ديكتاتورية دينية سواء حليفة للسلطة أو معارضة لها ، و يمثلها الإمام أو الشيخ . و كلاهما الحاكم أو الخليفة ، و الشيخ أو الإمام ، في حالة صراعية حول من يأخذ أكثر من نصيب الآخر من الفريسة ، لكنهما لا يختلفان مصيرياً و لا منهجياً ، إنه صراع الإمام و الخليفة منذ فصل معاوية بين سلطة الحكم و إمامة الصلاة و عين للصلاة الجامعة شيخاً إماماً . • كلاهما لا يؤمن بمبدأ التداول السلمي للسلطة ، كلاهما لا يؤمن بحرية الفكر و الرأي و النقد ، كلاهما يهدر كرامة المواطن بحرمانه من حقوقه كل بطريقته الخاصة ، كل منهم يدعم نفسه بقوة جبارة : واحد بالقوة العسكرية و واحد بالدين و ربنا ، كل منهما يريد الإنفراد بالفريسة و لا تشغله مصالحها . العسكريون يمتهنون كرامة المواطن بالسوط و المعتقل ، و الدينيون يمتهنون عقله ، و يقمعونه بالتكفير و القتل و تضليل هذا العقل بالخرافات والأساطير و فتاوي بول الناقة و بول النبي و رضاع الكبيروالحجامة والجن ، الحكومات تقوم بمصادرة الكتب و الصحف ، و رجال الدين يصادرون بقدر أكبر، مفتي الحكومة يجرم فيلم ، و مفتي الجماعة يكفر كتاباً ، الحكومات و أدعياء الدولة الدينية ضد حرية الإعتقاد ، و ضد الشيعة في المناطق السنية ، و ضد السنة في المناطق الشيعية ، و ضد الأقباط ، و ضد الأمازيغ ، و ضد الأكراد ، و ضد البهائية ، الحكومات تجلد الناشطين الإسلاميين ، و المجلودين يشرعون الجلد إسلامياً و هو فقط للبغال ، يذهب المواطن إلى قسم الشرطة ينفخوه ، يذهب إلى الجامع يهدرون كرامته و يحملونه كل خيبات أمة المسلمين . • أصحاب فكرة الدولة الإسلامية يقولون بالعودة للسلف ، و هو ما كان صالحاً لهذا السلف في زمنهم ، فلو كان فيه خيراً لنا اليوم أو كان عندهم سبباً لتقدم سياسي حقوقي لظلوا متقدمين و هم على قلب المسلمين من زمان ، و لصرنا صناع الحضارة و حقوق الإنسان و التكنولوجيا ، و لأمسينا أعضاء مجلس الأمن ، و لأصبح الغرب هو النامي المتخلف يتلقى منا المساعدات زكاة و صدقات على اليتامى و أبناء السبيل من مشردى نيويورك ولندن. • الإسلاميون يعرضون أنفسهم باعتبارهم الإسلام مع فتاوي يكون عصيانها إثم ، و هو ما يعني أن إختيار غيرهم جريمة دينية ، عندهم وسائل دعائية كبرى منذ الصحوة و السادات ، و قبلها منذ عسكر يوليو و ناصر مستعينين بالدين ، كل كتبهم و قرارتهم تدعو للسلف و الخلافة ، والدعاه أحباب الله فكيف يرفض الناس إنتخابهم ؟، لذلك يتم الإنتخاب على أساس ديني لا ديموقراطي ، لذلك فإن من نجح منهم في الإقتراع قد جاءت بهم الطائفية الدينية لا الديموقراطية ، لأن الديموقراطية تأتي بالأكفأ أداء سياسياً و إدراياً و الأوعى بالصالح العام للمجتمع ، بينما الإنتخابات عندنا تحولت لطقس عبادة يظهر به المؤمن مدى حبه لربه و ولائه لدينه بانتخاب الأكثر تقوى أو زاعماً لها ، اصبحت جهازاً يقتلون به و يقتلون أمام الصناديق .• لقد جعلوا الإنتخابات السياسية خياراً بين الإيمان و الكفر نتيجة مزج الدين بالسياسة ، و من ثم سيفضل الناس الرب على الديموقراطية التي يتم هنا دفنها فوراً ، الإنتخابات في بلاد المسلمين أصبحت استجواباً موجهاً إلى المسلم البسيط : هل أنت مؤمن بقدرة الرب على حل مشاكلك كلها ؟ هل تؤمن أن الإسلام مكتمل يحوي كل الحلول و أنه هو الحل ؟ . . الإجابة لابد أن تكون..... نعم طبعاً !!!!. • و الحكومات الإسلامية تسمح بكل هذا ، و باستيلائهم على الإعلام ، و لا تطلق الحريات لأن الحريات ستطيح بكليهما ، و كلاهما مستفيد من هذا الوضع الديكتاتوري ، فيبقى الحاكم في كرسيه بادعاء حماية المجتمع و العالم المتحضر من السلفيين ، و يستفيد السلفيون ما يأتيهم من دعم مادي و وجاهة و قيادة اجتماعية و فرصهم البترولية ، و في النهاية يكون الإسلاميون هم الحاكم الحقيقي الذي يعمل في حماية حكومة تأخذ أجرها إتاوات من شعوبها و فساداً لم يسبق له مثيل ، إن الشعوب في البلاد الإسلامية هي الفريسة و الضحية لدولة هذا ، أو دولة ذاك : إسلامية ، أو أميرية ، أو عسكرية ، أو ملكية . مستقبل الدولة الإسلامية : _ في زمن متسارع يلهث تطوراً و تغيراً و تبدلاً ، لم يعد ممكناً بموجب معطيات أمس و اليوم ، التنبوء أو بناء أى تصور افتراضي لما سيحدث غداً ، و كان أهم حدث أذهل العالم ، و غير كل التنبؤات ، بل غير خط سير التاريخ ، و من المحتمل أن يكون سبباً في متغيرات ستجرى في جغرافية العالم المعتادة ، حدث ما لم يخطر على قلب بشر ، حدث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية . صاحب هذا القلم كان قد توقف عن الكتابة و النشر ما يزيد عن سنتين ، يأساً من حدوث أى متغير في أحوال البلاد و العباد ، حتى ضربت القاعدة أمريكا ، فقرر العودة للكتابة و النشر ، فقد جاء الأمل لبلادنا على عكس كل التوقعات ، جاء يركب مركباً من دمار و نار و هلاك للأبرياء في بلاد الحريات ، و كان أول إصدار لي بعد التوقف بعنوان : " شكراً بن لادن " . كان ركود الأوضاع في بلاد المسلمين دافعاً لليأس و القنوط حتى تفكك الحلف الإسلامي الأمريكي في مانهاتين ، و تشظى بشكل مبهر لم تتصوره أى عبقرية من عبقريات هوليود و خيالها الجامح . كان الركود قد ساد كل شبر في بلاد المسلمين ، و أصبح لا صوت يعلو فوق صوت السلطان و مشايخه ، و تحول الناس إلى رعية للراعي بالمعنى الدقيق و الحرفي للكلمة .كانت السعودية و من ورائها دول الخليج قد سادت بنفطها و وهابيتها ثقافة و إعلاماً و اقتصاداً و مرجعية دينية ، و كانت السعودية الحليف العريق و الأبرز لأمريكا و معها العالم الغربي الحر . و حالفت أمريكا شرار الأرض من حكام و و مستبدين بطول العالم الإسلامي و عرضه ، و أغدقت تدريباً و معرفة و تسليحاً على العرب الأفغان ، و منحتهم أسرار مخابراتها و شاركتهم برامجهم ، لدحر السوفيات في أفغانستان. السعودية أمدت بالرجال و بالمال ، و مصر ، و باكستان ، و معظم الدول العربية جندت إعلامها للجهاد ضد الشيوعية في أفغانستان ، و مولت المخابرات الأمريكية ما يزيد على 200 مؤتمر للطب الإسلامي و بقية العلوم المنسوبة للإسلام ، ........... حتى ضرب بن لادن مانهاتن . . . فانقلبت كل الأوضاع رأساً على عقب في يوم لن ينساه التاريخ أبداً ، و اكتشف الأمريكان في لحظة مباغته أعداء جدداً ما كانوا بالحسبان ، و تحولت بلد مثل السعودية من حليف تاريخي ألى بلد مفرخ للإرهاب بين ليلة و ضحاها ، تتم الضغوط الهائلة عليها للإصلاح و التغيير ، و توضع أسماء سعودية كبيرة و ذات شأن خطير على قوائم الإرهاب الدولية . و تسقط طالبان ، و ترتكب أمريكا غلطتها التاريخية و تحقق لابن لادن مراده . كان ابن لادن قد أعلن أكثر من مرة أنه ليس بإمكانه محاربة أمريكا في أمريكا ، و أن استدراجها إلى المنطقة هو الخطة المثلى ، و حققت له أمريكا مراده لتعود الخريطة التاريخية تتغير مرة أخرى بعد دخول العراق و بسرعة مذهلة .بعد سبتمبر 2001 كانت أمريكا قد أعلنت للعالم إنذارها بلسان رئيسها و خارجيتها و البنتاجون أنها ستدخل تدخلاً مباشر في البلاد المفرزة للإرهاب ، إن لم تقم بعمليات إصلاح تفضى إلى تراجع الإرهاب و بروز الديمقراطية ، حتى قال الرئيس اليمني على عبد الله صالح قولته المشهورة الساخرة من الذات ، المعبرة بصدق مُر عن الواقع : " اللى مش هايحلق بكيفه ، أمريكا هاتحلق له " . ثم كانت الفرصة التى جاءت للحكام العرب على طبق من ذهب ، و هي دخول أمريكا العراق . و في حالة من الفجر العلني دعمت كل دول المحيط لكل ما استطاع إليه سبيلا ، ما أسموه المقاومة العراقية ، هذا بالمال و هذا بالرجال و هذا بالتدريب و هذا بفتح الحدود سداحاً مداحاً ، ليتحول مشروع الحلم الديمقراطي العلماني إلى كابوس على المنطقة جميعاً ، عندما عادت الولايات المتحدة لحلفائها القفدامى من مستبدين و أصبحت في حاجة إلى حلفائها من مستبدي المنطقة القدامي من جنرالات و ملوك ، لإنهاء الحرب في العراق بشكل لازالت المساومات جارية بشأن تفاصيله ، بينما يدفع الشعب العراقي أفدح ثمن مع كل يوم و كل ساعة تطول فيه المساومات . و في مناخ كهذا حيث يصعب التنبؤ بمستقبل الدولة الدينية في المنطقة ، يتبناها هانتجنتون تنبؤاً بالمستحيل ، فتستجد في نظره ظروف دولية تحتم وجود هذه الدولة كما تصور، في تحالف إسلامي تقوده الخلافة التركية مرة أخرى ؟ و ارتأي أن سلامة الغرب في التفاعل مع هذا الواقع و السير به إلى منتهاه حتى تعود الخلافة ، لكن بعد أن تكون الخلافة نفسها قد تم تكريسها كتابعة للسيادة الأمريكية و لو عن بعد ، ولتقوم الخلافة بردع أى اعتداء على المصالح الغربية . و صاحب هذه الورقة يرى الأمور بشكل أكثر بساطة من هذا ، لأن الدولة الدينية كانت مرحلة تاريخية انتهت بنهاية المرحلة التي ناسبتها ، و حسب منطق التطور الذي أثبت صلابته عبر التاريخ فهو القانون العلمي الأوحد الذي تقوم عليه بقية القوانين . فإنه ما عاد ممكناً لدولة دينية أن تتعايش مع عالمنا المعاصر ، و كما فرض التطور نفسه علينا بمنجزات علمية و حقوقية إنسانية في كل العالم ، فإنه آت إلى بلادنا أت لاشك فيه و لا ريب ، كل المسألة هي في المسافة الزمنية بين يومنا و بين يوم نضوج الأوضاع أو ظهور مفاجآت تسرع من وصول بلادنا نحو هذا التطور أو تعطلها عنه ، و يبقى بدلاً من محاولة التنبؤ ، أن نقوم نحن العلمانيون بالتأثير في الواقع المتحرك ، حتى نضيف ثقلاً لترجيحات التاريخ ، حتى نكون موجودين يوم يقوم بالفرز و الاختيار ، بحسابات المصالح و وفق المنهج التطورى . إن الحرب القائمة حالياً ضد الإرهاب الدولى هي حرب عالمية بكل معنى الكلمة ، لكنها الحرب التي بدأت تفرض لوناً خاصاً من أساليب إدارة الحروب ، ليست حرباً بين عدوين على حدود مختلف بشأنها ، أو مصالح اقتصادية يتنازعون حولها ، إنها حرب وجود ، حرب بين زمنين ، زمن له مناهجه في التفكير و العمل ، يختلف بالكلية عن زمن التفكير العلمي و الحداثة الحقوقية ، يدافع بشراسة و استماته عن استمراره في الوجود أمام مد الحداثة الجارف ، أنها زفرات الموت الأخيرة لعصر ما قبل العلم الحديث ، و ما ترتب على هذا العلم و تقدمه الهائل من إعادة صياغة مفهوم الدولة بعقد اجتماعي حقوقي دستوري . إنه صراع زمنين بمنهجي تفكير مختلفين بالكلية و لا يلتقيان ، و القديم لن يفسح المكان للجديد بهدوء ، فهذا هو درس التاريخ الطويل .

الأحد، 2 مارس 2008

ظاهرة العنف ضد المرأة ينال من الرجولة الشرقية...؟


مصطفى حقي..

فيزيولوجياً جسد المرأة أضعف من الرجل ولكن عقلها (يوزن بلد كما حاء في المثل الشعبي) وهي حقيقة تثبتها الوقائع وكثير من النساء تبز الرجال ذكاءً وحكمة ورجاحة عقل وتفكير وتدبير وإلا لما قالوا وراء كل رجل عظيم امرأة ولما قال نابليون المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها وقال حافظ ابراهيم : الأم مدرسة إذا أعددتها .. أعددت شعباً طيب الأعراق .... وربوا البنات على الفضيلة ..فإنها في الموقفين لهن وفاق ولما قيل أن الجنة تحت أقدام الأمهات ، وانها أخت الرجال .. وفي مناطقنا تُكنى مجتمعات قبلية باسم أنثي مثل (أخوت بطّه) و(أخوت صبحه ) و(وأخوت شاهه) و(أخوت فاتي) إلخ فالفرد من الرجال عندما ينتخي يزمجر متباهياً أنا أخو بطة أو صبحة أو شاهة ... والمرأة إن شاء الرجال أم أبو هي الأم والزوجة شريكة العمر والإبنة والأخت والجدة والعمة والخالة .. احتلت المرأة أرفع المناصب الدولية رئيسة دولة كبرى مستشارة ألمانيا (أنجيلاميركل) ورئيسة الفليبين غلوريا أرويو ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر976-990 ورئيسة وزراء سابقة في تركيا تانسو شيلر وأنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند لمدة 15عاماً وقضت اغتيالاً على يد الرجال ( أحد حراسها الشخصيين) والسياسية الباكستانية بناظير بوتو التي تحدت الرجال واغتيلت بوحشية الرجال وهناك أيضاً المرأة السمراء التي لاتغيب عن شاشة الفضائيات العالمية كونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا وبكل جدارة نذكر وزيرة التربية والتعليم العالي في الكويت التي تحدت أثناء أدائها القسم مجتمع الرجال التعصبي ولم تضع الحجاب وانتصرت على شلة النواب الذكور واستطاعت أن تنال ثقة المجلس النيابي وهناك أيضاًعشرات الوزيرات العربيات على امتداد الوطن العربي من قاضيات ومحاميات وطبيبات وفي مناصب مرموقة وكثير من الصحفيات والأديبات وماتعرضت له نوال السعداوي من جور سلفي اضطرها إلى الهجرة وما تلقاه الكاتبة والطبيبة السورية السيدة وفاء سلطان من اهتمام في وسائل الاعلام الغربية وما أذكره أمثلة وليس تعداداً لأن المرأة العربية والمسلمة تخرق الحصار الذكوري برغم أنف الرجال وانها تنتزع حريتها انتزاعاً وفي المقابل لم تزل نظرة الشرقي للمرأة مغلفة بطبعة كربونية سلفية وانها ضلع قاصر وعورة بالكامل حتى صوتها وما فلح قوم ولوا أمرهم امرأة وان ثلثي من يصطلون في جهنم من النساء وانها تتعرض إلى وحشية الختان المزري ثم يرفع بها المقام لتكون الشرف الشرقي الرفيع وينشد الذكر متباهياً : لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم ... ؟ وهي دم الأنثى لاغير .. لأن الرجل مهما اقترف من آثام فهو لايمثل الشرف والمرأة هي الضحية دائما ، ضحية العنف الذكوري والمشكل أن القوانين الوضعية العربية(قانون العقوبات) تساهم وتشجع على تنامي جريمة ما يسمى (بالشرف) وتمنح الجاني المجرم أسباباً مخففة لا تتجاوز الأشهر لقاء إزهاق روح بريئة حتى لو أثبت الطب الشرعي أن المغدورة لم تفقد عذريتها بل أن القانون يعفي الجاني من العقاب في حال مفاجئته زوجه أو أحد أصوله في وضع جنسي مريب ...؟ وهذا الإعفاء ينال الزوج ولا يتعدى الزوجة .. ونتيجة وقوف المجتمع والقانون إلى جانب الرجل الشرقي المتغطرس بمفاهيمه البالية وثقافته الضحلة وبكائه على الماضي التليد المتمثل بالغزو والسلب والنهب الذي ولا عهده ولن يعود وشعوره بالخيبة والخذلان وهو مجرد من كل شيء علمياً وتكنلوجياً ومعرفياً وانه صار رقماً متخلفاً في مصاف الشعوب المتقدمة وانه يعتمد على الاستيراد في كل شيء من حبّة الدواء إلى رغيف الخبز إلى الكهرباء ومشتقاته ووسائل النقل وحتى الماء النظيف .. تولّد لديه إحباط وخذلان لم يجد بديلاً لاستعادة الجزء من كرامته المهدورة سوى التفاته إلى المرأة وممارسة العنف ضدها بأشكاله البشعة ليعوض امتهان رجولته على صعيد العطاء العالمي حضارياً ولكن نضال المرأة لن يتوقف والحجاب المفروض عليها إرهاباً لن يحدّ من تفكيرها الحر والمستقبل لإنسانية الإنسان في كل زمن ومكان رجلاً كان أو امرأة ..؟

الخروج من بؤر التخلف والتعلق بأذيال القرن الواحد والعشرين..






/ عبده جميل اللهبي
منذ خمسة قرون تقريباً ، وبعد طرد الاحتلال العربي من اسبانيا وبعض
أطراف أوربا ، نفخ في الصور ، وقامت القيامة ، وحشر الناس على محيط الأبيض المتوسط ، ثم قرأ أصحاب اليمين كتابهم ، وقرأ أهل الشمال كتابهم ، فأخذ كل منهم نتيجة عمله وما كسبت يداه ، فالشعوب الأوربية ذهبت إلى جنات تجري من تحتها الأنهار ( خالدين فيها ) في السويد ، والنرويج والدنمرك وبريطانيا ( وكندا ) ..
والشعوب العربية ذهبت إلى جحيم العالم الثالث تكتوي بنار البطالة وتتجرع ألم الجوع ، ووكل بهم زبانية شداد غلاظ لا يتزحزحون من كراسيهم ولا يتركون السياط من أيديهم إلا بقوة من العلي القدير ..
غير أن الغريب في الأمر أن دول الاتحاد الأوربي لازالت تنظر إلى هذه البقعة من العالم بعين الشفقة والرحمة ، وتعمل جاهدتاً على إصلاح ما أفسده الدهر ، في محاولة منها لإخراج العرب من الجحيم الذي مزق أشلائهم وقصف أعمارهم طيلة قرون مضت ..
ولم يبد على أحد أن رعى هذا الجميل أو اعترف به ..
برغم ماتأتيهم من معونات من بلدان الاتحاد الأوربي لإخراجهم من براثن التخلف المصيري ومن غوايات الجهل المزمن الذي أسرهم قرابة الألف عام ، ومحاولة إشراكهم في المجتمع الدولي بما يخدم مصالحهم في العيش الرغيد والحياة المعاصرة ..
برغم ذالك كله .. تجدهم لايزالون يؤمنون بكل بساطة تقزمية من أن الغرب بتأمر عليهم في محاولة منه لسرقة ثرواتهم المنهوبة ، وتهديد عقيدتهم المزيفة ..
لكن المشكة من أساسها ، أن المجتمع العربي ، مجتمع غير شرعي ، خلفته مؤسسات إقطاعية معادية لمعظم مبادئ الديمقراطية والمجتمع الحر ، ورسخت في ذهنه مبدأ تحريم الاستقلالية في التفكير والحكم الفردي ، وضمان حرية الحوار والقضاء .. لأنه تأسس على نظرية تحكيم القوة ، والتعصب الطائفي وتقديس الخرافة والأساطير ..
ولم يصل العرب منذ عصر الثورة الصناعية حتى دخولهم عصر العولمة إلى فهم أهمية هذا المنحى التاريخي الهام في تاريخ أوربا والعالم . فمع كل عصر يجدون أنفسهم فيه غرباء ، فيلجئون إلى تبرير خيبتهم بالتواري خلف الجدران والتغني بالماضي العقيم على حساب حياتهم ومستقبل أجيالهم ..
فهم لفترة ظلوا رابضين على الثروات النفطية من دون معرفة بكيفية استخدامها لبناء أنفسهم ، إلى أن جاء الغرب بترسانته العملاقة لينقب ويستكشف ويفجر بعصاه عيونا من النفط الخام رجعت عائداتها إلى مجتمعات بدوية قبلية أثرت في بناء دول بغنى فاحش لم يستفاد منه في شيء غير دعم الجماعات الدينية المتطرفة والمنظمات الإرهابية ..
وظل الحكم في العالم العربي على حاله كما تركه فرعون، ولازال جهاز الإدارة من شواطئ الأطلنطي غرباً إلى بلاد الشام وأطراف العراق شرقاً، قائم على الائتلاف الأزلي بين الدولة والمؤسسة الدينية..
بل زادت العلاقة ولم تنقطع بين الدين والسياسة في العالم العربي والإسلامي وتحولت وتطورت من الدعوة إلى الخلافة الإسلامية في عهد الدولة العثمانية إلى الأصولية الإسلامية المعاصرة من : السلفية والاخوانية والشيعة انتهاء بالتيارات الراديكالية الجهادية التكفيرية التي جمعت تحت جبتها درجات من العنف والمواجهة مع النظم السياسية ثم الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ..والتي بلغت أعلى درجاتها عند تنظيم القاعدة .
ففي كل الأحوال لم يعرف العالم العربي نظاماً ديمقراطيا حقيقياً ، إلى جانب أن الأنظمة العربية ظلت على علاقة ملتبسة مع التيارات الدينية ، الالتباس الذي كان سبباً في حالة التخلف الذي طوق المنطقة العربية ، فأقعدها عن اللحاق بعصر التنوير والتعلق بأذيال القرن الواحد والعشرين..
فالديمقراطية التي نتغنى بها صباح مساء ، ولدت في أحضان المؤسسة الدينية في العالم العربي ، ولا علاقة لها بما حدث في غرب أوربا ، فالديمقراطية العربية صيغة مطوعة لصالح الائتلاف القديم بين الدولة والمؤسسة الدينية ، وهي لاتصلح إلا إذا كان المواطن هو نفسه رجل الدولة أو رجل الدين ، أما غيرهم فلا تشملهم آية الديمقراطية ، فالمراهق مثلاً مواطن مراقب ، يشاهد وهو يختلس النظرات إلى فتات مثله ويأتي إلينا بغير مايفعله في سره ، فنقمعه ونحقره ونعلم كذبه الذي لايغير من نزعتنا العدائية ضده ، فنحن لا زلنا نعتقد ، لسبب يعلمه الله أن المراهقة أمر مشين ومعيب ، ونبرر عدوانيتنا الموجهة ضده بأنها واجب أخلاقي مقدس معزز بشهادة رجال الدين . لم يفكر احد منهم أن فترة المراهقة هي أثر بيولوجي طارئ لهذا الإنسان الذي أختاره الله لان يكون مراهقاً ..
وكذالك الرجل المسن ، رجل من نوع أخر ، فالقانون يمنعه من العمل ومن ممارسة أي نشاط إنساني ، بحكم أنه عجوز وقور ينتظر ملك الموت . ولايجد المؤسسة الخاصة التي ترعاه ولا النوادي المهتمة به ولا الجمعيات التي تعنى بشأنه ..
والمرأة إنسان ناقص الحقوق ، فهي الضلع الأعوج ، والحية التي أخرجت آدم من الجنة ، وهي العورة والعيب ورمز الخصاء ، ليست بأكثر من إنسان خطأ وسبب في المعصية تابع للرجل وخادم له في كثير من الأحوال ..
مجمل القول أن المجتمعات العربية والإسلامية لن يكون بوسعها أن تتجاهل الضغوط التي تمارس دولياً لفرض نوع من الإصلاح الديني الذي من شأنه إبعاد الدين عن مؤسسات الدولة. حيث طالب الغرب بتغيير المناهج التربوية وتشديد الرقابة على الجهات التي يديرها الأصوليون ..
وستظل هذه المجتمعات مطالبة بالعمل على تغيير الرؤية الصراعية مع الغرب والتي نبتت بعد أحداث سبتمبر 2001 م . الأمر الذي يتطلب عملاً جاداً ومنظماً في تجديد الفكر الديني ، والالتفاف حول المفكرين الليبراليين في العالم العربي والإسلامي ، الذي تم تجاهلهم طيلة حقب متتالية ، وتوسيع البعد الثقافي والاجتهادي وأدلجة الإسلام وفق متطلبات العصر وإشاعة روح التسامح بين الشعوب والأمم ..
فالمسلمون في الغرب بحاجة إلى أفاق واسعة ودين أكثر مرونة وثقافة أكثر تسامحاً ومحبة ، كي يتسنى لهم التوائم مع الثورة الفكرية والتكنولوجية التي تحملها رياح العولمة واستيعاب مراكز التنمية والديمقراطية وهضم مكتسبات الحداثة .. فالحداثة ليست كما تزعم قماقم سليمان من أنها نفياً للذات وإعدام لها ..
بل هي مساعي دؤبة وخطاً حثيثة في استيعاب المتغيرات من حولنا ..
فالأوربيون على اختلاف ألوانهم وأديانهم ومعتقداتهم ورغم حداثتهم لاينفون ذاتهم ولا يعدمون ماضيهم ، بل يعيشون فيه بتطلعات أكثر إشراقاً للمستقبل .....